انخفاض العملة المحلية… جرح في جيب المواطن وآمال معلقة بالتعافي
بقلم / م. عبدالله باعباد
الخميس 28 اغسطس 2025
في خضم الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، شهدت العملة المحلية انخفاضًا حادًا في قيمتها أمام العملات الأجنبية، مما ألقى بظلاله الثقيلة على كل بيت وكل متجر، من التاجر الكبير إلى البائع البسيط، ومن المستثمر إلى الموظف وصاحب الدخل المحدود.
*العملة تنخفض… والأسعار ترتفع*
لم يكن انخفاض قيمة العملة مجرد رقم يتغير في نشرات الأخبار أو لوحات أسعار الصرف، بل كان له وقع مدوٍ على أرض الواقع. ارتفعت أسعار السلع الأساسية، وقفزت تكاليف المعيشة بشكل أربك ميزانيات الأسر، ووجد المواطن نفسه عاجزًا عن تلبية حاجياته اليومية.
التجار بدورهم، وجدوا أنفسهم بين المطرقة والسندان. فارتفاع تكاليف الاستيراد بفعل انخفاض قيمة العملة قلّص هوامش أرباحهم، ودفع بعضهم إلى تقليص النشاط أو حتى الإغلاق الكامل. أما الصناعات المحلية، فواجهت ضغوطًا مضاعفة في ظل غلاء المواد الخام وتذبذب سعر الصرف، ما انعكس سلبًا على فرص العمل والاستقرار الاقتصادي.
*الفئات الأكثر تضررًا*
لم يكن الجميع في مرمى نيران الأزمة بنفس الدرجة، فقد تلقى أصحاب الدخل المحدود، والموظفون الذين يتقاضون رواتب ثابتة، الضربة الأقسى. فالرواتب لم تواكب هذا الانهيار، وتآكلت القدرة الشرائية بشكل خطير. وتحول تدبير لقمة العيش إلى تحدٍ يومي، بينما ازداد الاعتماد على القروض والدين، وارتفعت نسب الفقر والبطالة في العديد من المناطق.
*التعافي ليس مسؤولية الحكومة فقط… بل مسؤولية مجتمعية شاملة*
من الملاحظ أن ارتفاع سعر العملة الأجنبية في فترة سابقة دفع بالكثير من التجار وأصحاب المهن إلى رفع أسعار سلعهم وأجور خدماتهم، بما فيهم العامل البسيط الذي ارتفعت أجرته اليومية كنوع من التكيّف مع الواقع الاقتصادي الصعب آنذاك. وقد كان هذا الفعل، في بعض جوانبه، مبررًا حينها نظرًا للغلاء وضغوط المعيشة.
لكن المثير للاستغراب، أنه مع التعافي الملحوظ للعملة المحلية وتراجع كلفة الاستيراد واستقرار الأسواق، لم نشهد مشاركة مجتمعية حقيقية أو نوايا صادقة من مختلف شرائح المجتمع في معالجة هذه الظاهرة. فالتجار قلّما خفّضوا الأسعار، والعاملون بالأجر اليومي نادرًا ما أعادوا النظر في أجورهم، رغم تغيّر الظروف الاقتصادية التي كانت مبررًا في وقت سابق لرفع الأسعار والأجور.
*وهنا تكمن الإشكالية:* فلا يمكن معالجة أزمة ارتفاع الأسعار بنصف حل. فكما تُطالب الحكومة التجار بالشفافية وخفض الأسعار، يجب أن تمتد هذه المسؤولية إلى الجميع، من أعلى الهرم الاقتصادي إلى قاعدته، بما في ذلك من يعتمدون على الأجر اليومي أو الأعمال الحرة. فالعدالة الاقتصادية تقتضي أن يتجاوب الجميع مع مؤشرات التعافي، لا أن تستمر حلقات رفع الأسعار دون مبرر، مما يجهض أي محاولات جادة لتحقيق استقرار فعلي ينعكس على حياة الناس.
*ومع بوادر التعافي… ما العمل؟*
اليوم، وبعد مؤشرات واضحة على تعافي العملة المحلية، تبرز أسئلة محورية: كيف نتعامل مع هذه المرحلة؟ وهل سيتنفس المواطن الصعداء بعد طول معاناة؟
*أولاً،* يجب على المواطنين توخي الحذر وعدم الانجراف خلف موجة الإنفاق أو الإفراط في الاقتراض، ظنًا بأن الأمور قد عادت إلى طبيعتها كليًا. فالتعافي الاقتصادي يتطلب وقتًا حتى ينعكس بشكل ملموس على الأسواق والأسعار.
*ثانيًا،* من المهم التوجه نحو دعم الإنتاج المحلي قدر الإمكان، للحد من الاعتماد على الاستيراد الذي يضغط على العملة، ويُبقي السوق هشًا أمام تقلبات الخارج.
*ثالثًا،* يجب تعزيز ثقافة الادخار والاستثمار المحلي، سواء في المشاريع الصغيرة أو في القطاع الزراعي والصناعي، بما يخلق فرص عمل، ويقلل من التبعية الاقتصادية.
*رابعًا،* على الدولة والمؤسسات المعنية الرقابة على الأسواق وضبط الأسعار، لضمان ألا يستمر بعض التجار في استغلال الفترات السابقة وتثبيت أسعار مرتفعة رغم تعافي العملة.
*خاتمة*
انخفاض العملة المحلية كان درسًا قاسيًا، كسر الظهر الاقتصادي لشرائح واسعة من المجتمع. لكن مع كل أزمة هناك فرصة. فالتعافي الحالي، إن أُحسن استثماره، قد يكون بداية مرحلة أكثر وعيًا واستقرارًا، شرط أن يشارك الجميع في بنائها، من المواطن البسيط إلى صانع القرار. فلا تعافٍ حقيقي دون مشاركة جماعية، ولا اقتصاد سليم دون عدالة في الأرباح والخسائر






