اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

إعاشة الخارج: نزيف جديد للعملة وعبث بمصير الإصلاح

إعاشة الخارج: نزيف جديد للعملة وعبث بمصير الإصلاح

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : أنس علي باحنان
26 اغسطس 2025

بينما كنتُ أتصفّح آخر أخبار البلاد عبر هاتفي، استوقفني خبرٌ نقله الصحفي فتحي بن لزرق، مفاده تحويل مبلغٍ يناهز (11 مليون دولار) دفعةً أولى لما سُمِّي ــ على حدّ تعبيره ــ “إعاشة المؤلَّفة قلوبهم” في الخارج.

إنّ صرف ما يُسمَّى إعاشة، وبالعملة الصعبة، لمن هم في الخارج، يُعدّ خطأً فادحاً يتناقض تماماً مع ما أعلنته الحكومة مراراً من إيقاف صرف الرواتب بالعملة الأجنبية، وتخيير من هم في الخارج بين العودة إلى الوطن براتبٍ بالريال اليمني، أو ترك الوظيفة.
بل إنّ هذه الخطوة تتنافى مع مجمل الإصلاحات والتدابير الاقتصادية التي اتُّخذت خلال الأسابيع الماضية، لتصبح أشبه بعمل لجانٍ رقابية تتابع صغار التجار وكبارهم لضبط الأسعار، بينما تُطلَق أيادي شركة النفط والغاز تعبث وتتمادى في فسادها، من دون أن تلتزم بخفض أسعار مشتقاتها بما يتناسب مع تعزيز قيمة العملة الوطنية.

دعونا نضع الأمور في نصابها الصحيح: إنّ إيقاف “الإعاشة” عن الخارج يعني ضرراً بالغاً لكثيرٍ من الموظفين والمسؤولين و”عليّة القوم” المقيمين في العواصم والمدن الباذخة، ومن بينهم حتى بعض من يُسمَّون أعضاء مجلس الرئاسة.
فهل سيقبل هؤلاء أن يتنازلوا عن نمط حياتهم المرفّه الذي انعكس حتى على أولادهم في مدارسهم الأجنبية، وحياتهم المترفة بين فنادق جدة ودبي والقاهرة وإسطنبول، ومقاهي ومنتزهات العواصم الراقية؟! بالطبع لا، إلا من رحم الله.
وبالتالي، فإنّ هذا القرار إن نُفِّذ، فلن يطال إلا صاحبه وحده، وهو سالم بن بريك، الأمر الذي يُنذر بخطرٍ حقيقي على مستقبل الإصلاحات الاقتصادية، إذ قد تتعثر وتموت في مهدها.

إنّ الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن ينجح إلّا إذا بدأ المصلح بنفسه، إذ لا يُعقل أن يُكافَح الفساد بيد منظومةٍ فاسدة، ولا أن يُبنى الإصلاح على أرضٍ متهالكة. وهذا يعيدنا إلى العبرة الخالدة من عهد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، حيث كان القائد أوّل المصلحين بنفسه، وقدوة لرعيته.

وللأسف، نقولها بمرارة: إنّ كل جهدٍ صادق لإصلاح الوضع الاقتصادي والسياسي سيصطدم حتماً بمنظومةٍ فاسدةٍ مترهّلة، وفاقد الشيء لا يعطيه. وما شهدناه مؤخراً من تحسّنٍ في قيمة الريال اليمني، وانخفاضٍ نسبي في أسعار بعض السلع، لم يكن نتيجة جهدٍ داخلي خالص، ولا بفضل رئيس الوزراء وحده، وإنما كان ثمرة تدخّل خارجي، والتلويح باستخدام العصا الغليظة ضد هوامير الفساد والإفساد.

ومن هنا، نوجّه رسالتنا إلى من يملكون التأثير في صنع القرار، داخلياً وخارجياً، ممّن يهمهم استقرار اليمن وبالتالي استقرار المنطقة برمّتها: إنّ مفتاح الإصلاح الحقيقي، ورأس حربته، يبدأ من تغيير هذه المنظومة السياسية الفاشلة ــ بل نقولها بوضوح: الفاسدة ــ تغييراً جذرياً وشاملاً لا يُبقي منها أحداً.
فبقاء هذه المنظومة يعني بقاء العرقلة والعجز والفشل، بل سيجعلها عقبة كبرى أمام أيّ إصلاحٍ حقيقي. وسنظل حينها نراوح مكاننا، بينما يأخذ الفساد استراحة محارب، ليعود أكثر شراسة في حربه على الشعب المسكين، حربٍ لا هوادة فيها ولا رحمة.

إننا لا نستغرب حدوث ذلك، فقد تحوّلت حياتنا إلى مسرحٍ مليءٍ بالدراما والمسرحيات الهزلية المليئة بالتناقضات. ولكننا نؤمن أنّ لكل مسرحية نهاية، وأنّ هذه المهزلة ــ مهما طالت ــ سيُسدل ستارها يوماً ما. فإمّا أن تكون مهزلةً تجلب لنا مزيداً من المتاعب والآلام، وإمّا أن تكون خاتمة لمأساة حزينة عشنا فصولها المُرّة، وحان الوقت لوداعها.
وإنّ غداً لناظره قريب.

المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع

إغلاق