اليمن بين الجنوب والشمال جدل المسميات ومأساة الوطن
كتب / محمد بن عقيل
في اليمن لم يعد الانقسام مجرد خلاف سياسي بين أطراف متناحرة بل تحول إلى ثقافة يومية تترجم في الشارع وفي مواقع التواصل وحتى في أحاديث المقيل أكثر الكلمات رواجًا في هذا السياق هما جنوبي وشمالي كلمات بسيطة في ظاهرها لكنها صارت خناجر في جسد وطن لم يكتمل يوما
منذ ولادة الوحدة عام 1990 لم تبنى على أسس صلبة أو مؤسسات حقيقية كانت الوحدة مشروعا رومانسيا طموحا على الورق لكن في الواقع كانت مجرد صفقة سياسية بين قيادات تبحث عن النفوذ أكثر مما تبحث عن دولة عندما اندلعت حرب 1994 حسمت الأمور بالقوة العسكرية لا بالتوافق الوطني فترسخ في وجدان الجنوبي أنه ابتلع قسرا بينما اعتقد الشمالي أنه أنقذ الوحدة منذ تلك اللحظة صار جنوبي/ شمالي ليس مجرد توصيف جغرافي بل هوية سياسية متوترة
النخب الداخلية أدركت أن اللعب على وتر المناطقية أسهل وسيلة للبقاء فعوضا عن تقديم حلول اقتصادية أو سياسية يلوحون بخطر الآخر
القوى الإقليمية اليمن موقع استراتيجي حساس باب المندب وبحر العرب وجوار الخليج أي استقرار حقيقي فيه سيغير معادلات المنطقة ولهذا تغذى الخلافات ليتحول اليمن إلى ساحة تنافس بدلا من أن يكون لاعبا مستقلا
القوى الدولية تفضل اليمن ضعيفا مقسما حتى يبقى مجرد ورقة ضغط في لعبة النفط والممرات البحرية
المشهد اليمني يشبه مباراة كرة قدم بلا نهاية الكل يركض الجمهور يصرخ لكن الحكم اختفى من الملعب لا طرف قادر على الحسم العسكري ولا طرف يمتلك رؤية سياسية جامعة حتى عندما يحقق أحدهم انتصارا مؤقتا ينهار بسرعة لأنه يفتقر لشرعية شاملة
الغرض السياسي من استمرار هذه التصنيفات
تحويل الصراع من قضية دولة إلى قضية هوية
إشغال الناس بخلافات ثانوية من أي جهة أنت؟ بدلًا من مواجهة الأسئلة الكبرى
كيف توزع الثروة؟
كيف تبني مؤسسات مستقلة؟
كيف تضع دستورا عادلا؟
بقاء النخب في مواقعها فالمواطن الغاضب مشغول بعدوه الوهمي أخيه اليمني بدلا من أن يحاسب من سرق الدولة
اليمن اليوم يبدو وكأنه يعيش مسرحية عبثية
الجنوب يطالب بالحرية من الشمال والشمال يصر على قداسة الوحدة بينما الطرفان معا لا يملكون حتى القدرة على تشغيل محطة كهرباء
الجميع يتحدث عن السيادة لكن سيادة من؟ قرار الحرب والسلم يتخذ خارج الحدود
المواطن اليمني أصبح مثل ذلك الشخص الذي يدخل مطعما فاخرا ولا يملك ثمن وجبة لكنه مشغول بالجدل هل الكرسي الذي أجلس عليه شمالي أم جنوبي؟
إن الحديث عن شمالي وجنوبي يخدم فقط مشروع إبقاء اليمن في منطقة رمادية لا حرب تنتهي ولا سلم يبنى هذه لعبة كبرى تضمن أن اليمن يبقى دائما بحاجة إلى وصاية وإلى تدخل وإلى حلول جاهزة تأتي من الخارج
المشكلة الحقيقية ليست في كونك جنوبيا أو شماليا بل في أنك يمني لم تمنح بعد فرصة أن تكون مواطنا كامل الحقوق في دولة حقيقية، التقسيم هو مجرد أداة بيد لاعبين كبار وصغار محليين وخارجيين لإبقاء الوضع معلقا ما لم يبنى مشروع وطني جامع يتجاوز الجغرافيا فسيبقى اليمن سجين تلك الثنائية المدمرة مثل رجل يقطع جسده نصفين ويصر أن كليهما على قيد الحياة






