اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

تداركوه قبل فوات الاوان…

تداركوه قبل فوات الاوان…

كتب / أ. محمد عبدالله عمر
الاحد 17 اغسطس 2025

ضمن ملامح المشهد المبهم والغارق في ظلمات الفساد وغياب الدولة وسلطاتها وتهميش وإضعاف دورها، إضافة إلى تراجع مهول في ملامح الخدمات الأساسية كصرف العملة والكهرباء والمياه والصحة والتعليم وغيرها، جاءت بارقة الأمل التي يرى فيها هذا الشعب المكلوم المظلوم من جهود مباركة – نسأل الله ان تكون صادقة وموفقة – في محق الفساد والمفسدين ممن اثخنت كروشهم وجيوبهم ترفاً على حساب آهات وأنَّات هذا الشعب الذي صبر بما يكفي على ما جرى ويجري له. إلا أن ذلك الصبر يبدو أن حدوده وصلت إلى النهاية أو شارفت. فخرج الناس إلى الشوارع مطالبين وهاتفين برحيل كل فاسد.
جاءت الحكومة بأدواتها للبدء – فيما نأمل أنه – إعادة توجيه بوصلة الدولة وهدم لعروش الظلم المستشري في هذا البلد الذي يكابد حالة لعمري هي فريدة من نوعها في محيطنا إن لم يكن في العالم. فتم العمل بشكل منظم على موضوع الصرف وتهاوي الريال اليمني مقابل العملات وتحديدا الريال السعودي والدولار الأمريكي. وهذا بكل وضوح جهد مبارك نشد على أيدي القائمين عليه في أن يتواصل ونرجو أن يوفَّق في زجر كل من يعبث بقوت وحياة المواطنين. ونحن لا نقلل من هذه الجهود بالمطلق، بل نسأل الله لهم السداد والتوفيق لأن الدولة وأدواتها لا بديل لهما إلا الغرق في أتون الفوضى التي لن تبقي ولن تذر.
وهنا فإنني أود أن ألفت إلى موضوع لا يقل خطورة عن الموضوع الاقتصادي وهو الشق التعليمي. فمؤسساتنا التعليمية بكافة مستوياتها بدءاً بالحضانات ورياض الأطفال وحتى الجامعات تئن ووصلت إلى حد مخجل من التدني في المستويات التعليمية. فعامل التردي الاقتصادي وارتفاع الأسعار بشكل جنوني دفع بالكثير الكثير إلى العزوف عن التعليم وإدخال أبنائهم وبناتهم إلى المدارس، مع التأكيد أن هذا المجال لم يسلم من اخطبوط الفساد المستشري والمتغلغل في المجتمع. فكثرت المدارس الخاصة بلا جدوى أو تحصيل علمي. بل صارت فرصة لمزيد من التقسيم والتفتيت دون حسيب أو رقيب. فالتعليم هو الاقتصاد. هو التنمية. هو التطور التكنولوجي. هو الإنتاج بكل أطيافه. فعندما نلقي نظرة على مجتمعنا، نجد أننا نعيش الأمية المبطنة ذات الشكل المخزي والمؤلم. فخريجي الثانوية جُلّهم لا يجيدون القراءة في اللغة العربية، ناهيك عن الإنجليزية. صرنا نرى خريجي الجامعات بدرجات (امتياز) وهم لا يجيدون كتابة رسالة بسيطة، فما بالنا بالتخصص. لقد سقط ما كان يسمى بالتحصيل العلمي ووقع في الهاوية لصالح المستوى الدراسي والشهادة. وغابت أدوات التقييم والإشراف على كافة المنشآت التعليمة، حتى صار الكل يفعل ما يحلو له دون أي خجل أو وجل.
لقد أصبحنا نرى مستويات علمية عليا بدلا من أن نرى كادر متخصص ومؤهل مهنيا وأكاديميا. وتناقصت أعداد الكوادر التربوية التي تسند إليها مهمة بناء الأجيال والمجتمعات، وهي مهمة جسيمة لا تقبل الاستهتار بها. ووصل الحال إلى إغلاق العديد من التخصصات الجامعية التربوية بأكملها لعدم وجود الطلاب. وصار الحصول على خريجي تخصص فيزياء مثلا أو رياضيات وغيرها من التخصصات العلمية امر نادر ونادر جدا إلا من كادر قديم متقاعد أو على حافة التقاعد. وصرنا نرى شبابنا بأعداد مخيفة يعيشون حالة من الخواء الفكري والثقافي والتعليمي. وبهذا فهم أقرب بكثير إلى الانجراف وراء كل ما هو مدمر ومهلك. وينذر بدخول مرحلة من الجهالة والفحش السلوكي الخارج عن السيطرة وسيصطلي الجميع بنارٍ كهذه.
هذا كله وغيره الكثير يدق ناقوس الخطر بأن نستشعر الخطر الداهم الذي نعيشه، ويستوجب منا جميعاً الوقوف بجدية مطلقة لا تقبل التخاذل والتراجع، وعدم التخندق وراء أجندات أياً كانت، والتي كانت السبب وراء إغراق البلد في دوامة الفوضى والجهل والفساد. وهذا لن يتأتى إلا بوضع ملف التعليم تحت مجهر التصحيح الشامل حتى ننهض بهذا البلد من جديد ونستعيد مكانته المرموقة بين الأمم ونبنيه بالشكل الذي يجعلنا نفخر به وبمنجزاته. فقد طالت أزاماته وتجذرت، وآن لها أن تنقشع وتندثر إلى الأبد.

إغلاق