بين براعم وحرائر وشيوخ الانتفاضة الحضرمية ، وغسيل الأموال… من يتحكم بسعر الصرف حاليا؟
بقلم / م. لطفي بن سعدون الصيعري.
الخميس 31 يوليو 2025.
“من 770 إلى 550 في أقل من أسبوع”… ليس هذا مجرد رقم أو تقلب عابر في سعر الصرف، بل هو زلزال اقتصادي لم تعرف البلاد مثله منذ سنوات، واللافت أن هذا التحول لم يأتِ بقرار من البنك المركزي، أو الحكومة ، ولا من لجنة سياسية أو مالية، بل جاء بفعل انتفاضة شعبية في حضرموت، تقودها المكلا، وبتوقيف بسيط – لكنه قاتل – لنشاط شركات الصرافة، منذ أول أيام الاحتجاجات.
فما الذي حدث؟ وكيف تفكك هذا “الثقب الأسود” الذي كان يبتلع العملة الوطنية؟ ويهوي بالبسطاء الى مهاوي الردى والجوع !!! ولماذا تمتلك حضرموت دون غيرها.، لهذه القوة و التأثير الكاسح على القرار المالي والإقتصادي في كل البلاد .
أولًا: لماذا هبط سعر الصرف فجأة؟
هبوط الريال أمام السعودي من 770 إلى 550 – أي أكثر من 200 ريال – ولازال يهبط ، ليس وليد تراجع الاستيراد أو تدفق دعم مالي خارجي (كما كان يحدث سابقًا)، بل بسبب توقف الضخ اليومي للعملة الصعبة والمحلية من سوق الصرافة الحضرمية.
لقد كان إغلاق شركات الصرافة بشكل شبه كلي منذ انطلاق الانتفاضة الحضرمية، سببًا مباشرًا في تجفيف سيولة المضاربة اليومية بالعملة الصعبة والمحلية، وهو ما أدى إلى توقف الطلب الجنوني على الدولار والريال السعودي، ومن ثمّ عاد السوق ليوازن نفسه تلقائيًا.
أي أن المضاربين لم يعودوا قادرين على شراء وبيع العملات كما اعتادوا، فانكمش الطلب، فهبط السعر. هذا هو تفسير السوق الحرة.
ثانيًا: هل كانت حضرموت مركزًا ماليًا وإقتصاديا دون أن ندرك؟
نعم، وهذا الحدث أثبت ذلك بقوة.
فبينما كان البعض يظن أن القرار المالي والإقتصدي مرهون فقط بعدن او صنعاء ، جاءت حضرموت – عبر إضراب شعبي واحتجاج عفوي – لتكشف أن المال والإقتصاد يتحرك من هنا.
حضرموت تحتضن عشرات (وربما مئات) من محلات وشركات الصرافة، بعضها يمتلك ارتباطات مشبوهة بمراكز مالية إقليمية وعالمية ، ما يجعلها أشبه بـ”محطات غسيل أموال متنقلة”، وهو ما يفسّر أيضًا سبب:
●الانتشار غير المسبوق لمحلات الصرافة حتى في الأحياء الصغيرة،
●التضخم في حجم التداول اليومي دون أي إنتاج فعلي،
●الربط بين التحويلات الضخمة والسلع الاستهلاكية المغشوشة،
●اختفاء العملة الصعبة من السوق رغم عدم وجود طلب استيراد مبرر.
ثالثًا: هل نحن أمام عملية غسل أموال كبرى؟
المعطيات تقول نعم، والمؤشرات واضحة:
1. توقف نشاط الصرافة خلال الانتفاضة، أدى لتحسن فوري للعملة،
2. ضبابية حركة الأموال المحوّلة خارجيًا،
3. الاشتباه بعلاقات بين مراكز مالية إقلبمية ودولية وشركات صرافة محلية،
4. ضعف الرقابة من البنك المركزي في عدن على هذه النشاطات.
بل إن ما جرى يعيد طرح التساؤل الأكبر:
هل كانت حضرموت تُستغل كممرّ لتبييض أموال تُضخ من الخارج وتُعاد تدويرها داخل السوق المحلي ثم اعادتها للخارج؟
رابعًا: حين ترتعد سلطات الفيد والنهب وعصابات غسيل الأموتل… فتلجأ إلى القمع
لقد أرعبت الانتفاضة الحضرمية منظومة النهب والفساد، من سلطات محلية ومركزية ، إلى لوبيات الصرافة وغسيل الأموال، فكانت ردة فعلهم على قدر هلعهم.
حيث مارست السلطات القمع المفرط، مستخدمة القوة ضد المتظاهرين العُزّل، فكان الثمن شهيدًا في مدينة تريم، وجريحًا في حي فوه بالمكلا، بينما بقي التوتر سيد الموقف، ولا تزال الاحتجاجات في أوجها، والشارع أكثر تصميمًا من أي وقت مضى على كسر القيود وانتزاع حقوقه المشروعة.
هذه المواجهة لم تعد بين “محتجين” و”سلطة”، بل بين حضرموت الحرة ونظام الفيد والنهب الاقتصادي الجشع.
خامسًا: حين تنفجر فقاعة التضليل الاقتصادي :
الواقع أن احتجاجات حضرموت كسرت حاجز الصمت، ليس فقط تجاه انقطاعات الكهرباء أو الجوع والفساد، بل نحو أكبر تواطؤ وخيانة اقتصادية خفية : حيث العبث المنظم بسوق العملة.
ولأول مرة، بدلاً من أن تتحرك الدولة لتقود السوق، تحرك الشارع ليفضح من يقود الدولة ماليًا واقتصاديا لاجل نهب قوت وثروات الشعب ، وارضاءا وخنوعا لعصابات غسيل الأموال والتلاعب بالعملة .
وهذا ما يفسر الجنون الذي أصاب المضاربين خلال الأيام الماضية، وبدأوا يفرّغون احتياطاتهم من العملة الأجنبية خوفًا من الهبوط الحاد.
في الختام: حضرموت تعيد ضبط البوصلة :
فالانتفاضة الحضرمية ليست فقط صرخة ضد التجويع، وغلاء المعيشة وانعدام الخدمات والفساد المهول، بل هي صفعة لنظام اقتصادي ومنظومة حكم محلية ومركزية هشّة وفاسدة ، وفاضحة لطبقة من المستفيدين ، الذين صنعوا إمبراطوريات مالية على حساب فقر الناس.
لقد أثبت الشارع الحضرمي – من البراعم إلى الشيوخ، من النخب إلى البسطاء – أن حضرموت ليست فقط حاضنة حضارة، ومشعل تاريخي ، بل هي أيضًا قاطرة مالية واقتصادية، وإذا أرادت أن توقف الفساد المالي والإداري ، فإن البلد كله سيتنفس.
تحية إجلال وإكبار لكل من فجّروا هذه الانتفاضة،
وشدّوا قبضة حضرموت على القرار المالي والإقتصادي والسياسي والأمني!






