اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

تجاوز الماضي يبدأ من الاستماع للأخر

تجاوز الماضي يبدأ من الاستماع للأخر

بقلم / موسى الربيدي

لا يمكن لأي مجتمع أن يتطور أو يتقدم ما لم يُدِر خلافاته بطريقة راشدة. فالخلاف سنة كونية، ولا ضير فيه إذا ظل في إطاره الفكري والسياسي والأخلاقي. بل إن الخلاف، حين يُدار بالحكمة، يصبح مصدرًا للقوة، ومفتاحًا للحلول، وأداة لتوسيع آفاق الحوار والتفاهم.

إننا بحاجة ماسة إلى ثقافة الاعتراف بالآخر، والقبول بوجهات النظر المختلفة، لا إلى ثقافة الإقصاء والتخوين والتشيطن. وقد أثبتت شعوب كثيرة حول العالم أن الوصول إلى حلول واقعية يبدأ من نقطة الاعتراف بأن الخلاف في الرأي ليس عيبًا، بل ضرورة في الأنظمة الديمقراطية والمجتمعات المتنوعة. والنجاح لا يُقاس بغياب الخلاف، بل بقدرتنا على إدارة الخلاف وعدم تحوّله إلى صراع أو فتنة.

للأسف، ما نراه اليوم في الجنوب هو اجترار للخلافات نفسها، ورفض متكرر للاستماع إلى الآخر، ومحاولات مستمرة لفرض رأي الأقلية المتسلطة على الجميع بالقوة، وكأننا لم نتعلم شيئًا من تجارب الماضي. بل الأخطر من ذلك أن تُحوَّل أي وجهة نظر مستقلة أو نقد بنّاء إلى “جريمة” تستحق العقاب أو التهميش، بل وحتى الشيطنة.

يجب أن نكون واضحين: الناشطون، والإعلاميون، ورواد وسائل التواصل الاجتماعي، ليسوا بالضرورة أعداء أو مثيرين للفتنة، بل هم في كثير من الأحيان ناقلو صوت الشارع، ومرآة تعكس هموم الناس وتطلعاتهم. والمشكلة لا تكمن في النقد، بل في تجاهله أو محاولة إسكاته.

على أصحاب القرار، والنخب السياسية، أن يفهموا أن الفراغ لا يُترك فارغًا، فإن لم يُملأ بالإصلاح الصادق والحوار الجاد، سيملؤه الغضب، والاحتقان، والشائعات. وهذا ليس تهديدًا، بل واقعًا تثبته كل تجربة سياسية فاشلة.

أما أن نستحضر عقلية الماضي المظلم، ونحاول فرضها على واقع جديد وواعٍ، فذلك هو الفشل الحقيقي. لم يعد الناس كما كانوا، ولم تعد الشعوب قرى مغلقةاليوم، نعيش في زمن المواطن الواعي، المتعلم، المتصل بالعالم، الذي له رأيه وحقوقه وتطلعاته. والشعب في الجنوب مثال على ذلك، إذ يرفض أن يُعامل كأداة، أو كخادم لرغبات مجموعة استقوت بالخارج، وتحاول اليوم أن تفرض سلطتها بأثر رجعي على الجميع.

الخلاف لا يُخيف، بل ما يُخيف هو العقول المغلقة التي لا ترى في الآخر إلا عدوًا، وفي النقد إلا خيانة، وفي الاختلاف إلا تهديدًا. نحتاج إلى فتح قنوات التواصل، وإعادة الاعتبار للحوار، وتقديم المصلحة العامة على النزوات الشخصية والسياسات الإقصائية.

في النهاية، إن ما نحتاجه في الجنوب ليس العودة إلى الماضي، بل السير إلى المستقبل،

إغلاق