خطر المناطقية على الوطن
بقلم / موسى الربيدي
ظهرت النزعة المناطقية في الجنوب كنتيجة مباشرة للأحداث الدامية التي وقعت في 13 يناير 1986، حين انفجرت صراعات داخلية عنيفة بين أجنحة الحزب الاشتراكي اليمني. لم يكن ذلك الصراع مجرد خلاف سياسي، بل حمل في طياته بذور تصدع مناطقي عميق.
فبعد أن حسم طرفٌ من الصراع السلطة لصالحه، ظهر جليًا أن هذا الطرف لم يكن قادرًا على توظيف الإيديولوجيا الماركسية كما ينبغي، ولم يستطع تجاوز الخصومة السياسية من خلال برامج وطنية شاملة، بل عاد إلى استخدام الولاء المناطقي كوسيلة للبقاء في الحكم. بدأت ملامح التجنيد والحشد المناطقي تتجلى، حيث اُستُخدم الولاء الجغرافي بديلًا عن الانتماء الوطني الجامع.
أدى فشل المشروع الإيديولوجي إلى بروز جماعات عنيفة تتشبث بالقوة، وتتبنى خطابًا مناطقيًا متشنجًا، وكأن المناطقية أصبحت المخرج الوحيد للهروب من الاستحقاقات الوطنية. وكان من المفترض، بعد تلك الأحداث، أن يتجه الجناح المنتصر نحو إصلاح سياسي واقتصادي، وفتح المجال أمام مصالحة وطنية شاملة، لكنه فشل في ذلك. سيطر عليه الخوف من مشاركة الخصوم في السلطة، وظهر ضعف في القيادة والرؤية الوطنية، فاختار التضحية بمشروع الوطن في سبيل حماية مشروعه المناطقي الضيق.
تم التعامل مع الوطن كما لو كان مزرعة خاصة يجب السيطرة عليها بكل الوسائل، وبهذا تم تهميش القيادات الوطنية، ومورس الضغط عليها لتتخلى عن وطنيتها لصالح مشروع “المناطقية”، الذي سعى إلى تقويض الدولة وإقصاء الآخر.
حتى في لحظة الوحدة اليمنية عام 1990، تم التعاطي معها من منطلق مناطقي لا وطني. فعلي سالم البيض، الذي كان يمثل الجناح السياسي الجنوبي المتطرف المنتصر، اتجه نحو الوحدة لا من أجل تحقيق المصلحة الوطنية العليا، بل كخيار اضطراري لحماية مشروعه التآمري، في ظل قناعة بأن استمرار السيطرة في الجنوب لم يعد ممكنًا. فقام بالتضحية بكل مقومات الدولة الجنوبية حفاظًا على النفوذ الصدامي.
شكلت الوحدة اليمنية ونتائجها الديمقراطية صدمة لهذا التيار، خاصة مع بروز تعددية سياسية جديدة، وظهور قوى شبابية حيوية وطموحة تسعى لبناء يمن حديث. شعر هذا التيار أن الأرضية تضيق به، فعاد إلى افتعال الأزمات، وتغذيتها بخطابات مناطقية، حتى وصل الأمر إلى الاحتماء بدعم خارجي لمواصلة مشروعه التفتيت.
اليوم، ما يمارسه هذا التيار هو نسخة أكثر تطورًا من المناطقية، ولكن بإمكانات ودعم خارجي غير مسبوق. هذه “الشلة”، كما كانت وستظل، تعبث بالوطن، وهي نتاج تراكم طويل من السياسات الخاطئة، وليست ظاهرة عابرة. ولعل أبرز ما يميزها هو التشبث بالمناطقية، ورفض إشراك الآخر، إضافة إلى نَهَم مبرَّر لديهم للسلطة والثروة، واستعداد دائم لاستخدام العنف والبطش والنهب.
إن المناطقية لم تنشأ من فراغ، بل هي نتاج لأزمة قيادة وطنية، وفشل في بناء مشروع سياسي جامع. كما ساهم الخطاب الإيديولوجي المُفرغ من مضمونه، والصراع على السلطة، في ترسيخها. وما لم يتم تفكيك هذه النزعة عبر مشروع وطني شامل، يقوم على العدالة والمشاركة، فإن خطر المناطقية سيظل يهدد بقاء الجنوب ، ويُجهض كل محاولات النهوض للعمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي لنهوض بالوطن .






