اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

ماذا قدم المجلس الانتقالي الجنوبي لعدن منذ عام 2017؟ وأين الدولة التي وُعِد بها الجنوبيون؟

ماذا قدم المجلس الانتقالي الجنوبي لعدن منذ عام 2017؟ وأين الدولة التي وُعِد بها الجنوبيون؟

بقلم / خالد الصيعري
السبت 19 – يوليو – 2025م

في صيف 2017، وُلد المجلس الانتقالي الجنوبي ككيان سياسي قادته آمال شعبٍ تجرّع الحروب والتهميش لعقود. وُلدت معه وعودٌ صاخبة بدولة جنوبية مستقلة، وعدالة اجتماعية، وسيادة حقيقية تُعيد لعدن كرامتها ودورها الريادي. لكن وبعد مرور أكثر من سبع سنوات على تأسيسه، تبدو الأسئلة أكثر من الإجابات، ويغدو الواقع اليومي في عدن نقيضًا لما رُفع من شعارات.

فماذا قدم المجلس لعدن حقًا؟ وأين تقف الدولة التي وعد بها الجنوبيون؟ وهل كان المجلس حاملًا حقيقيًا لطموحات الشعب، أم مجرد واجهة سياسية لسلطة الأمر الواقع؟

عدن بعد 2017 – من التحرير إلى التهميش الجديد

منذ استعادة عدن من قبضة الحوثيين عام 2015، دخلت المدينة مرحلة “التحرر من الاحتلال” بحسب وصف الخطاب السياسي للمجلس الانتقالي. إلا أن واقع الحال لم يمنح المواطن العدني ما كان يتوق له؛ لا خدمات، ولا مؤسسات، ولا أمن مستقر. بل دخلت المدينة في مرحلة جديدة من الانفلات والفوضى المقوننة.

ومنذ إعلان تأسيس المجلس في مايو 2017، شهدت عدن تحولات عسكرية وإدارية شديدة التعقيد، تخللتها مواجهات مسلحة متكررة، وعمليات إقصاء ممنهجة للقيادات غير الموالية للمجلس، ما خلق بيئة طاردة للكفاءات ومشلولة للخدمات.

الأمن المفقود.. من يحكم من؟

رغم الادعاء المتكرر بأن المجلس الانتقالي “فرض الأمن” في عدن، إلا أن الوقائع تشير إلى عكس ذلك. فبين القتالات المتكررة بين الفصائل المسلحة، وجرائم الاغتيالات، والتفجيرات الغامضة، أصبحت عدن واحدة من أكثر المدن اضطرابًا في اليمن.

تعددت الأجهزة الأمنية، وتوزعت الولاءات، وتراجع دور القضاء، ليصبح المواطن بين فكيّ المليشيات والفراغ المؤسسي. لم يعد هناك جهاز أمن موحد، ولا محاسبة واضحة، بل أضحت العدالة خاضعة لميزان السياسة.

الخدمات.. وعود تتبخر تحت الشمس

قطع الكهرباء، تدهور المياه، طفح المجاري، غلاء المعيشة، انهيار الصحة، غياب التعليم… كلها عناوين يومية تعيشها عدن، رغم أن المجلس الانتقالي يسيطر فعليًا على الأرض منذ أكثر من خمس سنوات.

فأين الدولة التي وُعِد بها الجنوبيون؟ أين الوزارات والمؤسسات؟ بل أين ميزانية الدولة التي يتحدث عنها مسؤولو المجلس على المنصات الإعلامية؟

ما زال المواطن يخرج في مظاهرات متكررة، بعضها قمعت بيد من حديد، ليُطالبه من وعدوه بالكرامة… أن يمنحوه على الأقل كهرباء مستقرة في صيف عدن الجحيمي.

الاقتصاد.. وعود الاستقلال تقود إلى الجوع

حين تحدث المجلس الانتقالي عن “التحكم بالموارد”، ظن كثيرون أن عدن ستشهد نهضة اقتصادية جنوبية خالصة. لكن الواقع كشف عن فشل ذريع في إدارة أبسط الملفات المالية والخدمية. فلا الرواتب تُصرف بانتظام، ولا الأسعار تحت السيطرة، ولا المشاريع تنفذ إلا عبر ممولين خارجيين، ومعظمها وهمية أو ناقصة.

العملة المحلية تدهورت، الأسعار تضاعفت، والقطاع الخاص يعاني من فوضى في الضرائب والإتاوات، ما أدى إلى هروب الاستثمار وتدهور فرص العمل. المجلس لم يقدّم خطة اقتصادية واحدة واضحة المعالم، بل اكتفى بخطاب إعلامي يتحدث عن “العدو” و“المؤامرة”، في حين أن الجنوبي لا يجد ما يسد به رمق يومه.

الإعلام.. بوق واحد وصوت واحد

منذ 2017، فرض المجلس الانتقالي خطابًا إعلاميًا أحاديًا، لا يقبل النقد ولا التنوع. أُغلقت بعض القنوات، وتوقفت الصحف، وتعرض صحفيون للاعتقال أو التهديد، لمجرد انتقادهم أداء المجلس أو مطالبته بالإصلاح.

المنابر أصبحت تُدار من قبل لجنة إعلامية موالية بالكامل للمجلس، تُعيد إنتاج الخطاب ذاته، وتتجنب تمامًا الخوض في الأزمات الداخلية أو التناقضات، ما أدى إلى فقدان الإعلام الجنوبي لاستقلاليته ومصداقيته.

التعليم.. بين التجاهل والتسييس

في عدن، يعيش التعليم حالة من الإهمال الممنهج. المدارس مهدمة، المناهج غير موحدة، والمعلمين بلا رواتب أو تدريبات. المجلس لم يقدّم مشروعًا تعليميًا واحدًا جادًا، بل سعى في بعض المناطق إلى تسييس العملية التعليمية وإقحام شعاراته فيها.

النتيجة؟ جيل عدني يتربى في بيئة تعليمية فاشلة، في وقت تتفاخر فيه قيادات المجلس بحضورها للمؤتمرات الدولية، فيما طلاب المدينة يدرسون في فصول بلا نوافذ ولا كهرباء.

واما عن الصحة.. مراكز خاوية، ودواء مفقود

المستشفيات الحكومية في عدن، والتي من المفترض أن تكون تحت إشراف حكومة المجلس الانتقالي، تعاني نقصًا حادًا في الأدوية والمعدات والأطباء. المواطن مجبر على التوجه إلى القطاع الخاص، الذي هو الآخر أصبح مرهقًا بفعل الجبايات والفوضى.

لا يوجد مشروع صحي واحد كبير أطلقه المجلس، ولا برامج للرعاية أو الوقاية. حتى أثناء جائحة كورونا، غاب التنسيق، وغابت الشفافية، وتحولت الأزمة إلى مجال لتبادل الاتهامات.

أين الدولة؟ الدولة في الشعار فقط

لطالما كان شعار “استعادة الدولة الجنوبية” هو القلب النابض لخطاب المجلس. ولكن بعد كل هذه السنوات، لا يرى الجنوبيون من الدولة إلا:

شعارات على الجدران و رايات في المناسبات واستعراضات عسكرية شكلية.

في الواقع، لا توجد دولة. لا توجد مؤسسات فعلية، ولا خدمات، ولا قانون نافذ. المواطن يُحكم بالولاءات، لا بالقانون، وبالمزاج السياسي لا بالأنظمة. حتى المجلس نفسه أصبح منقسمًا داخليًا، وتضاربت مصالح أجنحته، ما جعل حلم الدولة يتآكل من الداخل.

المجلس والجنوب.. من التفويض إلى التململ

عندما فوض الشارع الجنوبي المجلس في 2017، كان الأمل أن يكون ممثلًا حقيقيًا لإرادة الناس. لكن ما حدث لاحقًا، من فشل في تقديم الخدمات، وانغماس في تحالفات ضيقة، وغرق في المناكفات، أدى إلى تآكل ثقة الشارع به تدريجيًا.

اليوم، يسأل الجنوبي نفسه: هل هذا هو المجلس الذي فوضناه؟ هل هذه هي الدولة التي حلمنا بها؟ أم أننا نعيد إنتاج نفس أخطاء الماضي تحت أسماء جديدة؟

الخاتمة: رسالتنا إلى المجلس الانتقالي صبر الناس ليس بلا نهاية
يا من تتحدثون باسم الجنوب، اعلموا أن الناس قد صبروا بما فيه الكفاية. سبع سنوات مرت، وما زلتم ترفعون الشعارات، فيما عدن تغرق في الظلام، والمواطن يئن تحت نار الجوع والخذلان.

وإن كنتم تظنون أن الصمت الشعبي دليل رضى، فأنتم واهمون. فالجائع لا يصمت طويلاً، والمظلوم لا يُقيد إلى الأبد، والمدن لا تُحكم بالشعارات الفارغة، ولا تُبنى الدول بالفوضى والخطابات.

أنتم اليوم أمام امتحان أخير: إما أن تثبتوا صدقكم، أو ترحلوا قبل أن تُجرفكم غضبة شعبٍ ظن أنكم منقذوه، فكنتم عبئًا آخر فوق أكتافه.

عدن لن تنتظر أكثر. الجنوب لن يُدار بالأهواء. والناس إن فقدوا الأمل فيكم سيبحثون عن من يستحق ثقتهم.

فإما أن تبنوا دولة، أو ستُحاسَبون كمن دمّر حلمها

إغلاق