الدكتوراة… بين القيمة و الموضة
بقلم :#مرعي_حميد
السبت 18 يوليو 2025
*من يمنح القيمة للدكتوراة هو الشخص نفسه و ليست الدكتوراة هي التي تمنح لصاحبها القيمة … كيف ذلك …؟!*
*حينما نتأمل العطاء العلمي لمن يحمل شهادة الدكتوراة بعيداً عن الرسالة التي أعدّها لنيلها سواء بالحديث أو الكتابة المقالية أو البحثية نجد من يحملون الدكتوراة أربعة أصناف :*
*الصنف الأوّل : صنف لديه علم و قادر على الطرح العلمي ، على الأقل في المجال الذي تخصص فيه ، هذا الصنف يعطي للدكتوراة قيمة ، و هو نتاج لشغف حقيقي بالعلم الذي تخصص فيه بدرجة أولى ، و ربما شغف علمي عام …*
*الصنف الثاني : صنف لا عطاء علمي له في المجال الذي تخصص فيه عدا الرسالة ، بغض النظر عن محتواها ، و بالكاد له بعض الكتابات التي تغلب عليها التقليدية ، هذا الصنف لا شغف علمي لديه و اتجه صوب الدراسات العليا فقط لنيل ( الدرجة العلمية ) الرسمية فيصير بالدال دكتوراً و يستطيع أن يتقدّم للتدريس في الجامعات بما يعنيه من مُرتب شهري أو سنوي عالي كما قد يوصل بالدال إلى ما لا يمكنه الوصول إليه بدونها من المناصب و المسؤوليات الجامعية و غير الجامعية . هذا الصنف الدكتوراة عنده لا قيمة لها فهي موضة و أداة لما بعدها وما لا يتم إلا بها من الحظوة و المكانة و السمعة .*
*الصنف الثالث : يُبدع في الأداء التدريسي له لمن يُعلّمهم في الكُليات أو الثانويات ، و يقتصر عطاءه العلمي على التدريس الراقي ، هذا صنف للدكتوراة قيمة في حقه …*
*الصنف الرابع : أسلوبه في التدريس مُعتمد على القراءة من الملزمة التي يعدّها أو الكتاب الذي يختاره أو تُقرره الكُلّية أو القسم فيها ، لا يكاد يتحدث بعيداً عن الملزمة أو الكتاب ، و قد يرتج عليه الحديث إن ابتعد عن الموجود منهما و عادة يُكلّف طلابه بشراء نُسخ من تلك الملزمة أو ذلك الكتاب ، و مثله إلى حد بعيد من يحفظ الملزمة أو الكتاب عن ظهر قلب و كل ما في الأمر أن يُلقي ما يحفظه على طلابه في كل عام كما هو ، عملياً لا يزيد هذا الصنف وجوده للطلاب أي فائدة و لو تم تشغيل نص منطوق للكتاب عبر جهاز تسجيل ما لقام بمهمته ، وممكن لأي طالب من الطلاب الذين ( يُعلّمهم ) القيام بما يقوم به … هذا الصنف لا قيمة للدكتوراة عنده …*
*بقيت مسألتان …*
*الأولى : القيمة الفعلية للدكتوراة عند من أخذها تنحصر في حديثه الرائع و البديع في المجال الذي تخصص فيه ، و إن أبدع و أفاد في الحديث في أي مجال غير مجال تخصصه فهذا لا يُحسب قيمة للدكتوراة التي عنده و لكن يُحسب فقط له شخصياً لنبوغه و شغفه و سِعة مداركه العلمية بغض النظر عن امتلاكه للدكتوراة من عدمه …*
*الثانية : هناك من يمتلكون العُمق الإدراكي العلمي في مجال من المجالات أو في أكثر من مجال للفرد الواحد منهم ، لديهم الشغف العلمي بل و ذروة فيه ، ولكن ربما لم تتهيأ لهم الضروف الملائمة ليتفرغوا للدراسات العليا ، هؤلاء تجد لهم من العطاء العلمي الكثير ، هؤلاء لا يعيبهم علمياً عدم امتلاكهم لشهادة الدكتوراة ، و لو امتلكوها لكانوا للدكتوراة قيمة عالية … فقط هذا النوع من النوابغ لا يستطيعون غالباً التدريس في الكليات بسبب تقيّد معظمها بتلك الشهادة ، ولعل بعض هؤلاء لا يرغب في التدريس في الكليات حتى لو عُرض له ومهما كان الراتب عالي ، فبعضهم يرى أنّ أفضل ما يُقدمه للناس هو أن لا يسمح لأي عمل ولا لأي وظيفة مهما كانت مرموقة أن تصرفه عن الدأب و العطاء العلمي الجديد ففي التدريس الجامعي صرف له عن إنتاج الجديد و الإنكباب في محراب التجديد …*
*وختاماً :*
*تغلُب على الدراسات العُليا ، و خاصة الرسالة العلمية ، التقليدية و النمطية ، بحث يسير على المسطرة ، فإن خالفه الطالب عُد ذلك قصور و نقصت درجاته لأنه جاء بشيء من عنده فالمطلوب منه فقط أن ينقل ثم ينقل ثم ينقل و لا شيء غير النقل إلا تثبيت المرجع الذي نقل عنه و بنمط معين اسم المؤلف و عنوان الكتاب و الصفحة و الطبعة و دار الطباعة، بل وحتى موضوع البحث لابد يخضع لموافقة المُشرف و كذلك خطة البحث التي لا تصلح إلا بعد خضوعها للمُشرف ثم لا يجوز للطالب التعديل فيها ، و لذا فالرسائل العُليا ماجستير و دكتوراة في معظم الأحيان عنصر قتل و خنق للإبداع و التجديد بكل أسف ، بل و يعجب المشرفين العودة إلى بعض الكتب القديمة و القديمة جداً لتحقيقها و بعضها متواضع القيمة العلمية و العملية في أصله ، ولذا لا يطيق الشغوفون بالإبداع إعداد هكذا رسالة نمطية مهما احتوت على كم من المعلومات المُجمّعة من مصادرها و مراجعها ، البعض يعتبر الدراسة العليا مُجرّد تعليم لكيفية إعداد البحوث العلمية المستندة للمراجع من ألفها إلى يائها و هذا هو المحتوى الحقيقي للدكتوراة بالمعنى المُصطلحي أي أن يكون من يحملها قادر على إجراء البحوث العلمية في مجال تخصصه ، والفرق كبير و البون شاسع بين إعداد البحوث من ناحية و القدرة على الإنتاج العلمي و المشاركة في التجديد و الارتقاء بالتُراث العلمي و الفكري الماثل في أي مجال من المجالات و حقول المعرفة الإنسانية …*






