صناعة الكذب ونشره.
بقلم / عبدالله سالم النهدي
الاثنين 30 يونيو 2025
ريتا سكيتر شخصية روائية من عالم هاري بوتر، صحفية مشهورة ومثيرة للجدل. تعمل في جريدة (الديلي بروفيت) وتشتهر بمقالاتها (السامة) التي غالبا ما تكون مليئة بالمبالغة والأكاذيب والافتراءات بهدف إثارة الجدل وجذب القراء. فتكتب مقالات تهدف إلى تشويه الحقائق ونشر الشائعات، مما يسبب الكثير من المشاكل للشخصيات التي تكتب عنها.تعتبر ريتا سكيتر شخصية مثيرة للاشمئزاز بالنسبة للكثيرين بسبب افتقارها للنزاهة الصحفية ورغبتها في تحقيق المكاسب على حساب الحقيقة ومشاعر الآخرين.
وفي الواقع عرف التاريخ في مراحله شخصيات من نوعية (ريتا سكيتر )، مؤرخين، وكتاب، وإعلاميين، كانوا يزيفون الحقائق أما لنشر وتسويق أعمالهم بجذب القراء لما فيها من إثارة ، أو لإلحاق الضرر بغيرهم. وأسست الوسائل الإعلامية المتخصصة في ذلك. ولعل ماكان أيام الحرب الباردة في القرن العشرين، خير دليل على ذلك، وكذا في الحروب الأهلية أو الأقليمية المستمرة. كما لا ننسى خطورة التضليل الإعلامي المنظّم، الذي قامت به قناة BBC عربي قبل أشهر عن ما اسمته الاغتيالات في الجنوب، من خلال بث فلم وثائقي تمت صناعته باحترافية مبهرة، تقف خلفها خبرة مؤسسة إعلامية عريقة. فبدأ وكأنه يمثل الحقيقة، أو هكذا رأه قطاع من المجتمع.
المتتبع لظاهرة الذكاء الاصطناعي في الآونة الأخيرة سيلاحظ دون عناء دقته المذهلة في صناعة المحتوى أياً كان نوعه، وجمهوره الذي يستهدفه، واختفت معالم التفرقة بين الزائف والحقيقي، وتلاشت الخطوط الفاصلة بين المصنوع والواقعي. سواء كان المحتوى نصوصا أم صورا أم مقاطع فيديو، أم غير ذلك. وبالتالي صار المتلقي في حيرة مما يصل إليه.
وفي السياق ذاته تأتي خطورة مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها صارت حاليا الوسيلة الإعلامية الأكثر والأسرع انتشارا، فلم يعد المحتوى ينتظر حتى صدور الصحيفة، أو حتى يذاع من وسيلة إذاعة؛ بل يتم إرساله، ثم تبدأ موجة إعادة إرساله، نسخا ولصقا. دون التحقق من صحته ومصدره. وفي هذا تكمن الخطورة. فالعامة، بل وقطاع كبير من المثقفين يتلقفونه كمحتوى لاشك في صحته، وتبدأ المرحلة الأكثر خطورة وهي بناء الأحكام وفقا وما جاء فيه.
وهنا يأتي استثمار ذلك من قبل جهات تسعى إلى زعزعة الأوضاع وتشويه الحقائق، قد تكون من خارج الدولة أو من داخلها، بما في ذلك أطراف نافذة تعمل في الخفاء وتسعى لحماية مصالحها الخاصة دون أن تخضع للمساءلة أو الرقابة. تقوم هذه الجهات بتأسيس فرق متخصصة لصناعة المحتوى الكاذب، وتدفع لأشخاص لنشره بشكل منظم عبر حسابات وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، خُلقت لهذا الغرض تحديدا. ثم ينتشر هذا المحتوى سريعا بين الناس، ممن يشاركونه بلا تحقق، ظنا منهم بصحته، فيؤدون الدور الأكبر في نشره، دون وعي أو قصد.
هذا الفعل لايخفى على كل متابع حصيف تأثيره السلبي على الرأي العام، إذ تنتج رؤى وأفكار ومن ثم مواقف غير دقيقة وغير موفقة، بل وبعيدة عن الحقائق. وتصبح كثير من قضايا الدولة ( وخصوصا عندما تمر بحالة وهن وضعف ) تخضع لإملاءات الرأي العام المشحون خطأ، أو على الأقل تتأثر به، وتحاول مسايرته حفاظا على عوامل بقائها. أو محاولة منها لكسب الوقت، وتهدئة الشحن عند الجماهير، حول قضية من القضايا التي تم تزييف الحقائق حولها بالطريقة التي ذكرنا سابقا.
وختاما نقول: إن مواجهة صناعة الكذب لا تقع على عاتق الحكومات وحدها، بل تبدأ من رفع الوعي الرقمي عند المتلقين، ومتابعة منصات التحقق من الأخبار الزائفة، التى بدأت تقوم بدورها، ودعمها. فالمعرفة الحقيقية اليوم لا تأتي من التكرار أو كثرة المشاركة، بل من التدقيق، والمصادر الموثوقة، والتمسك بالقيم الأخلاقية التي ترفض استغلال الكذب مهما كان الهدف.






