حضرموت … جذورٌ ضاربة وأجنحةٌ ممتدة !!!
مقال لـ / م .لطفي بن سعدون الصيعري.
السبت 24 مايو 2024
حضرموت، الوطن الواقع في جنوب الجزيرة العربية، لم تكن يوماً رقعةً جغرافيةً فقط، بل كانت ولا تزال حاملاً لهوية ثقافية متجذرة، صاغتها الاف السنين من التاريخ والحضارة و التجارة، والدعوة الدينية، والهجرات الواسعة. و يشكّل الحديث عن الهوية الحضرمية استحضاراً لذاكرة جماعية غنية، تتقاطع فيها الرجال الأفذاذ والقوافل والمراكب، وتتعانق فيها القيم مع العمارة، واللغة مع العقيدة ، وصوت الزوامل والدان مع الثقافة.
الجذور التاريخية :
يعود تاريخ حضرموت إلى عصور موغلة في القدم منذ ايام عاد ومابعدها ، حين كانت مملكة مستقلة ذات شأن في تجارة اللبان والمرّ، وعسل البغية الحضرمي والتمور والأسماك المجففة والتبغ (الحمي) ، وكانت تربط بين جنوب الجزيرة وشمالها والشام ومصر وحتى بلاد الرومان، وبلاد الهند وشرق اسيا وأفريقيا. ومع ظهور الإسلام، لم يتأخر الحضارمة عن اعتناقه، بل أصبحوا من أوائل الشعوب العربية ، التي أسهمت في نشره، ليس فقط في أراضيهم بل بعيداً عنها أيضاً ، في مختلف الأمصار من الأندلس غربا وحتى خراسان والهند وجزر الملايو والصين شرقا .
حضرموت والتجارة: سَفَن تحمل أكثر من البضائع :
لم يكن الحضارمة تجاراً فقط، بل كانوا أيضاً حملة حضارة عريقة وإسلام ينير الدروب . فمنذ قرون سحيقة، انطلقت مراكبهم من موانئ الشحر والمكلا وقنا ، لتصل إلى شمال الجزيرة والشام ومصر والعراق و سواحل الهند، وجنوب شرق آسيا، وشرق أفريقيا. هناك، لم يكتفوا بالتجارة و ببناء الأسواق، بل شيدوا المساجد، ونشروا اللغة العربية، وعززوا الأخلاق الفاضلة و قيم الأمانة والانضباط، مما جعلهم محل احترام واندماج عميق في المجتمعات التي نزحوا إليها.
الهجرة: هوية متنقلة لا تضيع :
الهجرة الحضرمية كانت في الغالب هجرة نخبوية سلمية، هادفة ومبنية على التبادل التجاري والثقافي ونشر الدين. الحضارمة لم يهاجروا فراراً من فقر فقط، بل سعياً لنشر الإسلام و لفرص توسّع ثقافي وتجاري. وفي مناطق اغترابهم العربية والأعجمية مثل أندونيسيا، ماليزيا، كينيا وتنزانيا، أصبحوا جزءاً من النسيج الاجتماعي، وأسسوا عائلات ومؤسسات دينية وتعليمية لا تزال قائمة حتى اليوم. ومع ذلك، ظلوا مرتبطين بوطنهم الأم، حريصين على الحفاظ على اللغة واللهجة والعادات والمعتقدات.
الدين والوسطية: الروح الحضرمية العميقة :
الهوية الحضرمية لا تنفصل عن بعدها الروحي، فالإسلام في حضرموت اتخذ طابعاً وسطيا معتدلاً، الذي جمع بين الفقه والشريعة من جهة، والسلوك والأخلاق من جهة أخرى. وقد شكّل ذلك أساساً لخطاب دعوي سلمي، انتشر على يد العلماء والدعاة الحضارمة في مشارق الأرض ومغاربها.
إحياء الهوية: بين الحنين والمسؤولية :
اليوم، وفي ظل تسارع العولمة وتشتت الجاليات الحضرمية حول العالم، يبرز اهتمام متزايد بين الحضارمة باستعادة الاعتبار لهويتهم، والعودة لجذور الإستقلال الحضرمي، عبر التوعية الاعلامية والسياسية و التوثيق، وإحياء الفنون، والاحتفاء بالمناسبات التراثية. هذا الحنين إلى الجذور ليس فقط عاطفياً، بل يحمل في طياته رغبة في إعادة الاعتبار لإرث حضاري ساهم في تشكيل وجه العالم القديم و الإسلامي عبر عشرات القرون.






