الوحدة اليمنية: حلمٌ تحقّق وشُوِّهت ملامحه
كتب / د. فائز المنصوري
الخميس 22 مايو 2025
كانت الوحدة اليمنية قبل عام 1990م حلمًا يراود أبناء الشعب في الشمال والجنوب، حتى تحققت على أرض الواقع، فعمّت الفرحة أرجاء الوطن، وأمل اليمنيون ببداية عهد جديد من العدالة والشراكة والتنمية. غير أن هذا الحلم سرعان ما تعرّض للتشويه والتضليل على يد من استغلوا شعارات الوحدة لزرع الكراهية والانقسام بين أبناء الوطن الواحد. فقد انفرد الرئيس السابق علي عبد الله صالح بالحكم، وتحول الجنوب، في خطابه وممارساته، إلى “غنيمة حرب”، وهو وصف يتنافى مع أبسط قيم الدين والوطن. فالغنائم لا تُؤخذ من مسلم، ولا تُستباح حقوق الشركاء في الوطن. هذا المنطق يكشف عن العقلية التي حكمت البلاد آنذاك؛ عقلية لم تكتفِ بهزيمة الحزب الاشتراكي في حرب 1994م، بل تجاوزت ذلك إلى نهب ثروات الجنوب، وتعطيل مؤسساته، وتهميش بعض أبنائه بشكل منهجي. لقد أُغلقت مصانع، وتوقفت مشاريع، وأُقصي كثير من الكفاءات الجنوبية من الحياة السياسية والإدارية، وهي ممارسات موثقة لا يمكن إنكارها. ومع ذلك، فإن شعب الجنوب، بوعيه وتجربته، أدرك مبكرًا حقيقة ما يقوم به نظاما المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح. فخرج في ثورة شعبية ترفض تحويل الجنوب إلى غنيمة حرب، وترفض أن يكون ضحية لصراعات القوى السياسية في صنعاء. وكان تقرير هلال وباصرة شاهدًا حيًا وموثقًا على ممارسات النهب والفساد، ودليلًا دامغًا على تورط المؤتمر والإصلاح في تلك الانتهاكات، التي ما زالت مستمرة إلى يومنا هذا.
وفي هذا السياق، لا بد من توجيه رسالة صريحة إلى هذين الحزبين: *كفى كذبًا على الشعب باسم الوحدة اليمنية*.
على حزب الإصلاح، الذي يدّعي حرصه على الوحدة، أن يبدأ أولًا بتوحيد صفوفه داخليًا مع التيارات الأقرب إليه فكريًا، كالسلفيين، قبل أن يطالب بالوحدة مع قوى يسارية كالحزب الاشتراكي والناصري. فالوحدة الحقيقية تبدأ من الداخل قبل أن تُصدَّر للآخرين. كما أن عليه، وأولئك الذين وردت أسماؤهم في تقرير هلال وباصرة، استرجاع ما تم نهبه بعد حرب عام 1994م، وعليه أيضًا أن يوضح للرأي العام مصير أموال الشباب التي جُمعت باسم الاستثمار في شركة الأسماك، والتي لم يتلقَّ المساهمون فيها شيئًا إلى اليوم، رغم استمرار وجود الشركة.
أما حزب المؤتمر الشعبي العام، فعليه أن يوحّد صفوفه ويحدّد موقفه، بدلاً من التمزق بين جناح تابع للحوثيين وآخر موالٍ للشرعية. فالشعب لم يعد يحتمل هذا التشرذم والتناقض، بل يتطلع إلى رؤية وطنية واضحة، تضع مصلحة اليمن فوق كل اعتبار، وتسعى بصدق إلى بناء الدولة، لا إلى تقاسم الغنائم وتوزيع النفوذ. واسترجاع ما تم نهبه بعد حرب عام 94م وخاصة من ورد ذكر اسمه في تقرير هلال وباصرة.
إن اليمن اليوم بحاجة ماسّة إلى قيادة وطنية شريفة، ذات يد نظيفة لم تتلطخ بنهب الثروات ولا بدماء الأبرياء. قيادة تؤمن بأن الوحدة ليست شعارات تُستهلك، بل هي شراكة حقيقية تقوم على العدالة والكرامة والمساواة.






