إقالة أو استقالة بن مبارك… بين وهم الإصلاح وصراع مراكز القوى داخل الشرعية اليمنية.
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : حسين باراس
5 مايو 2025
يدخل اليمن عامه الحادي عشر غارقًا في حرب متعددة الأوجه والأطراف، حرب لم تكتفِ بإحراق الأرض وتمزيق النسيج الاجتماعي، بل أغرقت البلاد في دوامة من الفوضى السياسية والاقتصادية التي تتسع رقعتها يومًا بعد آخر. لم تعد الحرب مجرد صراع عسكري داخلي ، بل تحوّلت إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية والتدخلات الدولية وسط حصار اقتصادي خانق وانهيار شبه كلي لمؤسسات الدولة، ومنظومة خدمات منهارة، من كهرباء غائبة، إلى أزمة مياه تتفاقم وقد تبرز بحدة في السنوات القادمة ، فضلًا عن بنية إنتاجية مدمّرة وبنى تحتية متآكلة.
وما يزيد هذا الواقع سوداوية أن اليمن، الذي كان أصلًا من أفقر دول العالم قبل اندلاع الحرب، لم يعد يمتلك الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم ، في ظل غياب الدولة وتخلي أطراف الصراع عن مسؤولياتهم تجاه الشعب، وانشغالهم بصراعات السلطة والنفوذ وتقاسم الغنائم.
في هذا السياق المتأزم، تتكرّر محاولات امتصاص الغضب الشعبي عبر قرارات شكلية ، تتصدّرها تغييرات في المواقع العليا للسلطة. وآخرها ما يُثار حول إقالة أو استقالة رئيس الوزراء أحمد عوض بن مبارك ، يُروَّج لهذا التغيير وكأنه بادرة إصلاح منتظرة، بينما يدرك اليمنيون جيدًا أن الأمر لا يعدو كونه خطوة تكتيكية لامتصاص الاحتقان ، لا تمس جوهر الأزمة، ولا تضع حدًا لانهيار الدولة . والأسوأ من ذلك أن القرار جاء دون أي توضيح رسمي شفاف يبيّن دوافع هذا التغيير أو مبرراته ، ما يطرح تساؤل مشروع ، هل هو نتيجة فشل في الأداء؟ أم انعكاس لتحولات في مراكز النفوذ داخل “الشرعية”؟
كما أن تعيين البديل، سالم بن بريك، تم دون إعلان واضح عن برنامج عمل جديد أو رؤية إصلاحية حقيقية ، ودون مصارحة الشعب بما سيختلف هذه المرة . فالرجل القادم من خلفية مالية لا يمتلك سجلًا سياسيًا تنفيذيًا يُعوّل عليه في ظرف بهذه الحساسية ، ما يعزز الانطباع بأن التغيير لا يتجاوز إعادة توزيع المناصب داخل نفس المنظومة ، وليس تصحيحًا لمسار أو بداية لمرحلة مختلفة.
المشكلة لم تكن يومًا في الأشخاص، بل في البنية التي تحكمها عقلية المحاصصة، وتغيب عنها الكفاءة، وتسودها الولاءات الضيقة والانتهازية السياسية إنها منظومة مشوّهة لا تؤمن بمفهوم الدولة، بل تُدير السلطة بمنطق الغنيمة، وتُعيد تدوير الوجوه في مشهد عبثي بات مفضوحًا أمام وعي شعبي متقدم لم يعد يُخدع بالرماد السياسي.
الصراع داخل ما يُسمى بالشرعية لم يعد سعيًا حقيقيًا لاستعادة الدولة أو إنقاذ اليمن ، بل تحوّل إلى صراع مصالح على المناصب ، والصلاحيات، والعقود، والامتيازات، دون رؤية وطنية، أو مشروع جامع يعيد تعريف الدولة وموقعها ودورها. لقد فقد المواطن الثقة بمنظومة الحكم، ولم يعد يأمل بتغييرات شكلية، بل بات يطالب بإعادة بناء شاملة على أسس جديدة تُخرج البلاد من أزمتها التاريخية .
ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يُبنى مستقبل مختلف عبر قرارات ترقيعية المطلوب اليوم هو مشروع وطني شامل، يعيد تعريف شكل الحكم، ويؤسس لعملية سياسية متكاملة تُنهي الحرب، وتفتح أفقًا لمرحلة انتقالية قائمة على العدالة والمساءلة لا على المحاصصة والتسويات . فالمساءلة هنا ليست فعلًا انتقاميًا، بل ضرورة وطنية لكسر دائرة الإفلات من العقاب، واستعادة ثقة الناس بمؤسسات دولتهم.
ولا يمكن الحديث عن سلام حقيقي ومستقبل آمن دون فتح تحقيقات شفافة في أداء كل من تولّى مسؤولية عامة خلال سنوات الحرب، سواء في الجانب السياسي أو العسكري أو الاقتصادي. فالمحاسبة شرط أساسي لأي نهضة، وأي تجاهل لها يعني ترسيخ الفساد وتدوير الفشل.
إن استمرار الوضع على ما هو عليه، يعني مزيدًا من الانهيار، والانقسام، والمعاناة. ولن يُنقذ اليمن من مصيره المجهول سوى حل سياسي شامل، قائم على إرادة يمنية خالصة، لا تُملى من الخارج، ولا تُدار بمنطق الترضيات، بل تُبنى على الكفاءة، والنزاهة، والشفافية، والمصلحة العليا للوطن.
فالأوطان لا تُبنى بالوجوه المستهلكة، ولا تُستعاد بالدوران في ذات الحلقة، بل بالجرأة على الاعتراف بالفشل، والشجاعة في التغيير، والإيمان بأن اليمن يستحق دولة حقيقية تُعبّر عنه وتخدمه، لا كيانًا مهترئًا تُقتسم فيه النفوذ وتُدار فيه المصائر بمنطق الصفقة لا بمنطق الدولة .
المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع






