اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

لجنة مقابر بروم .. حين يتحول العمل المجتمعي إلى واجب إنساني مستدام

لجنة مقابر بروم .. حين يتحول العمل المجتمعي إلى واجب إنساني مستدام

تاربة_اليوم / خاص – بروم
تقرير – مطيع بامزاحم
13 ابريل 2026

لا تقاس كل الأعمال المجتمعية بحجم ما يُنجز على الأرض فحسب، بل تقاس بقيمة الرسالة التي تحملها وبالأثر الإنساني الذي تتركه في نفوس الناس، ومن هذا المنطلق، تبرز تجربة لجنة مقابر مدينة بروم بحضرموت كنموذج حيّ يجسد معنى التكافل الحقيقي، ويعيد تعريف مفهوم الخدمة العامة في أكثر لحظات الإنسان حساسية ووجعاً.

الحديث عن المقابر قد يبدو للبعض حديثاً هامشياً أو مؤجلاً، لكنه في الحقيقة يمس جانباً بالغ الأهمية من حياة المجتمع، إذ يتعلق بكرامة الإنسان بعد رحيله، وبكيفية تعامل الأحياء مع هذا الواجب الإنساني والأخلاقي، وهنا تحديداً تتجلى أهمية الدور الذي تضطلع به لجنة مقابر بروم والتي نجحت في تحويل هذا الملف من عبءٍ فردي إلى مسؤولية جماعية منظمة.

غير أن ما يلفت الانتباه في هذه التجربة النبيلة ليس فقط حجم الأعمال المنجزة، بل الامتداد التاريخي لهذا الجهد، حيث تأسست البذور الأولى على أيدي شخصيات مجتمعية كان لها حضورها وتأثيرها البارز، يتقدمهم الشيخين الجليلين الراحلين المرحوم الشيخ عبدالله أحمد بامزاحم إمام وخطيب جامع بروم السابق، والمرحوم الشيخ سالم يسلم الشماسي، والشيخ أحمد عبدالله بامزاحم ونخبة من رجال الخير الذين وضعوا اللبنات الأولى من خلال أعمال التهيئة والتسوير والتنظيف للمقابر مؤسسين بذلك لثقافة عمل جليل لا تزال مستمرة حتى اليوم.

ومع تعاقب السنوات لم تتوقف الجهود عند حدود المبادرات الفردية، فقد تطورت إلى عمل مؤسسي واضح المعالم، تقوده لجنة شبابية واعية تضم الإخوة فيصل سالم بامطيبق، وجلال سالم بامعلم، وحمزة سالم الشماسي، الذين يواصلون العمل بإخلاص وتفانٍ وإلى جانبهم يقف عدد كبير من الشباب المتطوعين من أبناء بروم والذين يبادرون بالقيام بعمليات الحفر والدفن وكل مايتعلق بالموتى ومراسيم تجهيزهم والتي كانت يقوم بها شخصيات معروفة امثال المرحوم العم علي سعيد باجول، والأخ سعيد عبدالله بازار، وكذا الأخوة عبدالله حيمد وعلي باحشوان ومنير زين وأبناء العم عمر سواد بامطيبق وآخرين ولازالوا جميعا يبذلون جهودهم الطيبة حتى اليوم، واستطاعت هذه اللجنة أن تنتقل بالخدمة إلى مستوى أكثر تنظيماً وكفاءة، وهذا التحول يعكس وعياً متقدماً بأهمية الاستدامة ويؤكد أن العمل المجتمعي لا ينجح إلا إذا بُني على أسس واضحة وخطط مدروسة.

ومن الجميل أن الأدوار التي تقوم بها اللجنة اليوم تتجاوز الصورة التقليدية لخدمة المقابر، فهي تبدأ من حفر القبور وتجهيزها، مروراً بتنظيم عمليات الدفن، وصولاً إلى متابعة احتياجات المقابر من معدات وخدمات والعمل على إعادة تأهيلها وتطويرها، والأهم من ذلك هو الحرص على تنظيم القبور والحفاظ على حرمتها في مشهد يعكس احتراماً عميقاً للإنسان حتى بعد وفاته.

وفي هذا العمل المجتمعي الرائد هناك جوانب تستحق التوقف عندها منها على سبيل المثال لا الحصر، انتقال اللجنة إلى توثيق حالات الوفاة في سجلات خاصة، وهو إجراء يعكس نضجاً إدارياً لافتاً ويعزز من دقة العمل واستمراريته، كما أن توفير خدمات مجانية كالكفن والتغسيل والتي يقوم بها الأخوة حسن محروس بامزاحم وحسين سالم الشماسي وآخرين، تمثل بُعداً إنسانياً راقياً يخفف عن كاهل الأسر الكثير في لحظات صعبة ويعزز من روح التضامن داخل المجتمع.

غير أن هذه الجهود والنتائج على أهميتها لا تعني أن الطريق قد بات خالياً من التحديات، فالمشاريع المستقبلية مثل تسوير مقبرة الدحس وتأهيلها بشكل كامل وتجهيزها، بعد أن تم استكمال تجهيز المقبرة المحاذية للمركز الصحي في بروم قبل سنوات، والانتهاء مؤخرا من تجهيز مقبرة أخرى محاذية لمسجد جامع بروم والتي تحتاج إلى بوابه جديدة وبعض النواقص الاخرى ليكتمل مشروعها، وبشكل مجمل يمكننا القول أن أعمال ومشاريع اللجنة الحالية منها وتلك المستقبلية تتطلب إمكانيات كبيرة ودعماً مستمراً وهنا تبرز الحاجة إلى توسيع دائرة المشاركة المجتمعية وعدم ترك هذا العبء على عاتق فئة محدودة من المتطوعين فقط.

إن تجربة لجنة مقابر بروم تطرح سؤالاً مهما مفاده، لماذا لا تُعمّم مثل هذه النماذج في بقية المناطق؟، ولماذا لا يُنظر إلى العمل المجتمعي المنظم كرافد أساسي للتنمية المحلية وليس كمجرد جهود تطوعية عابرة؟، وفي المحصلة النهائية يمكننا القول أن ما تقوم به هذه اللجنة المباركة يتجاوز حدود الخدمة إلى بناء قيمة إنسانية عميقة، عنوانها الوفاء ومضمونها أن الكرامة لا تنتهي بالموت وأن المجتمع الحيّ هو الذي يحفظ حرمة أفراده في حياتهم وبعد مماتهم، إنها تجربة متميزة تستحق الإشادة، والأهم أنها تستحق الدعم والاستمرار والمساندة.

إغلاق