حكاية الوهم الرقمي
بقلم / عبدالله ال قاسم
الثلاثاء 7 ابريل 2026
تحت أضواء الشاشات المتلألئة، تتشكل عوالمٌ لا نراها، لكنها تسيطر على ما نعتقده حقيقيًا. هناك، خلف كل منشور وصورة وفيديو، تُنسج الروايات بعناية، لتُعيد رسم حدود ما نفكر فيه ونشعر به. لم يعد المتلقي مجرد متابع؛ بل أصبح لاعبًا في مسرحٍ يُكتب له نصه قبل أن يعرف أنه جزء منه.
هذه الشبكات الرقمية، التي وُجدت لتقريب الناس وتبادل الأفكار، تحوّلت إلى مطابخٍ خفية تصنع الرسائل، وتعيد ترتيب الوقائع حسب أهواء صناعها. من يملك النفوذ يختار ما يُرى وما يُخفى، وما يُضخّم وما يُهمّش، فتنتقل الحقائق إلى العقول ملوّنة بالزيف، ويصبح التضليل جزءًا من النسيج اليومي للحياة الرقمية. وهكذا تتفتت الثقة بين الناس، وتتهاوى الروابط الاجتماعية، وتتحول النقاشات إلى صراعات وهمية على أرصفة الحقيقة المشوهة.
كأبسط مثال على التضليل، قد تظهر هذه المطابخ مسؤولًا أنزه من غيره، وهو ملطخ بعار الفساد المالي، وقد تتنزه عن آخر متورط تمامًا. وقد يتم إظهار العميل الخائن على أنه بطل قومي، وإضفاء صفة العمالة على الأبطال الحقيقيين، وهكذا. فالمسألة بالنسبة لمن يملك التأثير سهلة جدًا، لا تحتاج عبقرية ولا موهبة، بل فقط القدرة على توجيه الرسائل وإعادة ترتيب الوقائع وفق مصالحه.
وفي هذا الفضاء الملبد بالضباب الرقمي، يصبح الرأي العام لعبةً بين أيدي من يسيطرون على المنصات، فتُختزل الأحداث، وتُضخّم أخرى، وتُهمّش جوانب كاملة من الواقع، فيتلقى الناس ما يُقدَّم لهم على أنه واقع مطلق، دون تمحيص أو تحقق. هنا يقع الطيبون ضحايا، فيسقطون في شباك الإشاعات، وينخرطون في جدالات وهمية، ويصبح وعيهم رهينًا لمصالح وأهواء لا علاقة لها بحياتهم اليومية، تاركًا أثرًا مؤلمًا: فقدان الثقة، تفتت الروابط، وانحسار القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم.
في كل الأحوال، لا يجب أن يتعاطى المتلقي لأي وسيلة – إعلامية أو سياسية تحديدا – ببراءة مطلقة، حتى وإن كان محتواها يوافق هواه. عليه أن يتحقق من المعلومة بطريقته الخاصة، وأن يقوم بتحليلها بنفسه، قبل أن يستسلم لتأثير المطابخ الإعلامية أو يشاركها مع الآخرين.
لم يعد الحياد خيارًا، ولا الاكتفاء بالمشاهدة كافيًا. فالمعركة اليوم تدور حول وعي الإنسان ذاته، على إدراك الرسائل، وتمحيص المعلومة، وتفكيك ما يُقدَّم قبل إعادة نشره. وعيٌ كهذا ليس رفاهية، بل حصنٌ ضد التضليل، ودرعٌ ضد السقوط في فخ الوهم الرقمي. فإما أن نصنع وعينا، نزرع فهمنا، وننقذ إدراكنا، أو نصبح أطيافًا ضائعة في عالم يعيد تشكيله الآخرون من خلف الشاشات.






