عندما تنطق العدسة…بكار مصفّر يوثق اللحظة بلقطة…
تاربة_اليوم / شبام / عبدالله باصهي
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتذوب فيه التفاصيل، هناك من يختار أن يقف في وجه النسيان… أن يُمسك اللحظة قبل أن تغادر، ويمنحها حياةً أطول مما كُتب لها. من قلب مدينة شبام، المدينة التي تعانق السماء بناطحاتها الطينية وتختزن قرونًا من الحكايات، وُلدت قصة موهبة اسمها: بكار مصفّر.
لم يكن بكار مجرد شاب يحمل كاميرا، بل كان يحمل رؤية؛ رؤية تُدرك أن الصورة ليست مجرد لقطة، بل ذاكرة، وأن التوثيق ليس حفظًا للمشهد فحسب، بل إعادة إحياءٍ لروح المكان. منذ خطواته الأولى، اختار أن يكون شاهدًا على زمنه، وراويًا لحكايات مدينته، وناقلًا لنبضها إلى العالم.
عبر حسابه في Instagram، لم يصنع معرضًا للصور فقط، بل أسّس أرشيفًا بصريًا حيًا، تنبض فيه الحياة بكل تفاصيلها. هناك، تتحول الأزقة إلى مسارح، والأسواق إلى لوحات، والناس إلى أبطال قصص تُروى بعدسة صادقة.
في أعماله، لا تغيب ملامح الانتماء. يظهر بكار متوشحًا بالعلم اليمني، في صورة تختصر الكثير من المعاني؛ اعتزاز، ووفاء، ورسالة صامتة تقول: “هذا وطني… وهذه حكايتي”. لم تكن تلك اللقطة مجرد صورة، بل أصبحت توقيعًا بصريًا يميّز حضوره، ويمنح أعماله عمقًا إنسانيًا ووطنيًا يتجاوز حدود الصورة.
ما يميز تجربة بكار، خاصة في صناعة “الريلز”، هو قدرته على محاكاة الزمن؛ فهو لا يوثق اللحظة كما هي، بل يعيد تشكيلها، يمزج الماضي بالحاضر، ويخلق حالة بصرية تنقل المشاهد عبر الزمن. نرى في أعماله ازدحام الأسواق، دفء التجمعات الشعبية، أهازيج المناسبات، وسكون الليالي القديمة… وكأنها مشاهد سينمائية تُعيد الحياة لذاكرة المكان.
عدسته تلتقط ما لا يُرى بسهولة؛ تفاصيل عابرة تتحول بين يديه إلى مشاهد خالدة. من ضحكات الأطفال، إلى تعب الوجوه في الأسواق، من هيبة العمارة الطينية، إلى هدوء الأزقة في الليل… كل لقطة لديه تحمل قصة، وكل قصة تُضيف فصلًا جديدًا في حكاية مدينة تختصر حضارة.
لم تقف موهبة بكار عند حدود التصوير الفردي، بل امتدت لتشمل مشاركته مع فرق تصوير ومخرجين في عدد من الأعمال الوثائقية، حيث كان جزءًا من مشاريع تسعى لتوثيق التراث والإنسان والمكان. كما كان من ضمن الوجوه التي استقبلت ورافقت رحالة عالميين وشخصيات معروفة مرّوا بمدينة شبام ضمن رحلاتهم، مقدمًا لهم الصورة الحقيقية للمكان، وناقلًا تجربتهم بعدسته الخاصة.
ولأن الإبداع الصادق يجد طريقه دائمًا، فقد وصلت عدد من أعماله إلى منصات أوسع؛ حيث حظيت صوره بالانتشار عربيًا وعالميًا، وظهرت في أغلفة مجلات، وعلى مواقع كبرى مهتمة بالتراث والإرث الشعبي، في إنجاز يعكس جودة ما يقدمه، ويؤكد أن ما بدأ من شغف بسيط، أصبح حضورًا يُشار إليه.
لم يتوقف أثر بكار عند حدود شبام، بل امتد ليصل إلى أبناء المهجر، أولئك الذين يبحثون عن نافذة تعيدهم إلى جذورهم. في محتواه، يجد المغترب وطنًا كاملًا؛ يرى، يسمع، يشعر… وكأنه لم يغادر. صوره ليست مجرد توثيق، بل رسالة حنين، وجسر يربط الإنسان بأصله وهويته.
بكار مصفّر لم يعد مجرد مصور، بل أصبح صانع قصة، ومؤرخًا بصريًا، وملهمًا لجيلٍ جديد من المبدعين. استطاع أن يوظف أدوات العصر ليحفظ تراث الأمس، وأن يحوّل منصات التواصل إلى مساحة للوعي والانتماء، وأن يثبت أن الإبداع الحقيقي لا يحتاج إلا إلى صدق الإحساس.
قصة بكار ليست مجرد نجاح عابر، بل مسيرة موهبة آمنت بنفسها، فصنعت طريقها، وكتبت اسمها في ذاكرة المكان. هو اليوم لا يلتقط الصور فقط، بل يصنع الأثر، ويترك بصمة في كل مشهد.
في كل لقطة، وفي كل “ريل”، يثبت بكار مصفّر أن الصورة ليست انعكاسًا للواقع فحسب، بل وسيلة لصناعته وحفظه. هو صوت شبام البصري، وذاكرتها الحية، ورسالتها التي تعبر الحدود… لتقول للعالم: هنا حضارة… هنا حكاية لا تنتهي.






