اليمن بين مشروعين مُدمّرين: السلالة والمناطقية
بقلم / أ. فؤاد سالم باربود
ما يعيشه اليمن اليوم ليس طارئًا ولا نتاج لحظة عابرة، بل نتيجة تراكم طويل لأفكار ضيقة اختزلت الوطن في إطارين خطيرين: السلالية والمناطقية. هذان المساران لم يكتفيا بتقسيم الجغرافيا، بل عبثا بروح المجتمع، وأعادا تشكيل الهوية على أسس الإقصاء والكراهية.
المشكلة لا تقف عند حدود وجود هذه الأفكار، بل تتفاقم حين تتحول إلى تعصّب أعمى. عندها يصبح المختلف خصمًا لا شريكًا، ويُنظر لأي صوت وطني جامع باعتباره تهديدًا يجب إسكاتُه، حتى وإن صدر من داخل نفس الدائرة. وهنا يتحول الانتماء من قيمة إنسانية إلى أداة قمع، ومن رابطة اجتماعية إلى سلاح إقصاء.
التجربة أثبتت أن كل مشروع يقوم على العصبية – أياً كان شكلها – عاجز عن بناء دولة. لأنه ببساطة لا يؤمن بالمواطنة المتساوية، ولا يعترف بالتنوع كشريك في البناء، بل يراه خطرًا يجب محاصرته. وهكذا تستمر دوامة الصراع، ويتغذى العنف، وتغيب الدولة.
في المقابل، لا يمكن لليمن أن ينهض إلا بفكرة جامعة: وطن يتسع للجميع، تُقاس فيه قيمة الإنسان بما يقدمه، لا بما وُلد عليه. وطن يحمي الحقوق، ويصون الكرامة، ويجعل من التنوع مصدر قوة لا سببًا للانقسام.
دعوة صادقة لكل من لا يزال أسير هذه الانقسامات: أعيدوا النظر، وتأملوا ما وصلنا إليه. لا تجعلوا القناعات الضيقة جدارًا يحجب المستقبل. فالتعايش قوة، والتنوع ثراء، والوطن أكبر من كل الانتماءات الضيقة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح: نحن يمنيون… وهذا وحده يكفي.






