اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

السيطرة المحلية وإشكالية الازدواج البنيوي في حضرموت: قراءة تحليلية في مفارقة القرب والاغتراب السياسي

السيطرة المحلية وإشكالية الازدواج البنيوي في حضرموت: قراءة تحليلية في مفارقة القرب والاغتراب السياسي

تاربة_اليوم / كتابات واراء

بقلم: الدكتور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

25 مارس 2026م

تُثير مسألة السيطرة على حضرموت — في سياقها التاريخي والسياسي المعاصر — إشكالية مركبة تتجاوز ثنائية (الداخل والخارج) إلى ما هو أعمق، حيث تتداخل أنماط الهيمنة مع بنيات الوعي الاجتماعي والاقتصادي، لتنتج واقعًا تتكثف فيه المفارقات. فالسيطرة اليمنية — سواء أكانت جنوبية أم شمالية — لم تكن مجرد ممارسة سلطوية، بل تحولت إلى بنية مهيمنة أعادت تشكيل المجال العام في حضرموت وفق منطق الإخضاع لا الشراكة، وهو ما يفسر توصيفها بالنكبة في الوعي المحلي.
غير أن المفارقة الأكثر حدة تكمن في انتقال هذه النكبة من مستوى (الآخر) إلى مستوى (الذات)، أي حينما يصبح الفاعل المحلي — ابن حضرموت — جزءًا من منظومة إنتاج المعاناة ذاتها. هنا تتجلى إشكالية ما يمكن تسميته بالازدواج البنيوي للهوية السياسية، حيث يفقد المسؤول المحلي استقلاله الرمزي لصالح تموضعه داخل شبكة مصالح معقدة، فيتحول من ممثل للمجتمع إلى وسيط لإعادة إنتاج الهيمنة عليه.
إن هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن طبيعة الدولة الهشة، التي تعيد تشكيل النخب وفق معايير الولاء لا الكفاءة، والانتماء الشبكي لا الانتماء الوطني. ففي مثل هذه السياقات، يعاد إنتاج السلطة عبر آليات الزبائنية والمحسوبية، وهو ما يفسر انحصار المنافع في دوائر ضيقة من الأهل والأقارب والأصحاب، على حساب الصالح العام، بما يرسخ فجوة الثقة بين المجتمع وممثليه.
ومن منظور سوسيولوجي سياسي، فإن القرب الاجتماعي لا يفضي بالضرورة إلى عدالة سياسية، بل قد يتحول إلى عامل مضاعف للخذلان؛ إذ إن التوقعات المرتفعة من (ابن الدار) تصطدم بواقع ممارساته، فتتولد حالة من الإحباط المركب، أشد وطأة من الإحباط الناتج عن هيمنة الخارج. ومن هنا تكتسب مقولة (وجع القريب) بعدها التفسيري العميق، بوصفها تعبيرًا عن انكسار الثقة لا مجرد ألم عابر.
وتتعمق هذه الإشكالية حينما يعاد توظيف الروابط الاجتماعية — القرابة، الصداقة، الانتماء المحلي — داخل الحقل السياسي، ليس بوصفها أدوات تضامن، بل كآليات إقصاء ناعم، تعيد توزيع الموارد والفرص على أسس غير عادلة. وهنا تتشكل بنية (الاحتكار الاجتماعي للسلطة)، التي تفرغ المؤسسات من مضمونها، وتحولها إلى أدوات لإدامة الامتيازات الخاصة.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمة ليست أزمة أشخاص بقدر ما هي أزمة بنية، حيث يعاد إنتاج الفشل بشكل دوري عبر آليات مؤسسية غير مرئية. فالمسؤول — مهما كانت نواياه — يجد نفسه محكومًا بشبكة من القيود والتوازنات التي تدفعه، بوعي أو بغير وعي، إلى الانخراط في نمط السلوك السائد، وهو ما يجعل التغيير الفردي محدود الأثر ما لم يصاحبه تحول بنيوي شامل.
ومن زاوية فلسفية، تعكس هذه الحالة إشكالية العلاقة بين (الأخلاق والسياسة)، حيث تنفصل القيم عن الممارسة، ويتحول المجال العام إلى فضاء براغماتي صرف، تدار فيه المصالح بمنطق البقاء لا بمنطق العدالة. وفي ظل هذا الانفصال، تفقد الخطابات الأخلاقية قدرتها على التأثير، لتتحول إلى مجرد غطاء رمزي لممارسات مناقضة لها.
أما القول الذي نردده: دعوها فإنها مأمورة، فيحمل في طياته بعدًا تأويليًا يتجاوز التسليم السلبي، ليشير إلى إدراك عميق بحتميات التاريخ وتعقيداته، حيث لا يمكن تفكيك هذه البنى المتراكمة بقرارات آنية أو شعارات عاطفية، بل عبر مسارات طويلة من الوعي النقدي وإعادة بناء المؤسسات على أسس جديدة. فهو دعوة للتبصر لا للاستسلام، وللفهم لا للتبرير.
وفي المحصلة العامة، فإن حضرموت تقف أمام مفترق طرق تاريخي، يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والدولة، وبين النخب والقاعدة الاجتماعية، على نحو يعيد الاعتبار لفكرة الصالح العام. فالمعضلة الحقيقية لا تكمن في هوية المسيطر بقدر ما تكمن في طبيعة السيطرة ذاتها؛ وما لم يتم تفكيك منطقها العميق، فإن (وجع القريب) سيظل أكثر إيلامًا من (بطش البعيد)، لأنه يمس جوهر الثقة التي يقوم عليها أي كيان سياسي قابل للحياة.
حفظ الله حضرموت من الوجع والموت، وكتب لها الحياة بعد السكون والفوت.

إغلاق