اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

بين حلم الدولة وفعل البناء

بين حلم الدولة وفعل البناء

بقلم / عبدالله حسن قاسم
الثلاثاء 24 مارس 2026

لكل إنسان صورةٌ في خياله عن الدولة التي يريدها؛ دولةٌ مرسومةٌ على مقاس أحلامه، مطرزةٌ بتصوراته، ومحمّلةٌ بما يراه هو وحده الطريق الأمثل للخلاص. غير أن الحقيقة البسيطة التي كثيرًا ما نتغافل عنها هي أن الدولة، مثل الحياة نفسها، لا تتشكل على مزاج فرد واحد، ولا تنحني لإرادة كل حلمٍ منفرد. فحين تتعدد الأهواء وتختلف الرؤى، يصبح من المستحيل أن تتجسد الدولة كما يتخيلها كل شخص على حدة.
لكن هذا الاختلاف في التصورات لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعةٍ للتقاعس، ولا إلى مبررٍ للانسحاب من واجب البناء. فخدمة الوطن لا تُشترط بتحقق الصورة المثالية التي نرسمها له في أذهاننا. ليس لازمًا أن تستيقظ صباحًا لتجد الدولة مطابقةً لأحلامك حتى تمد يدك إليها بالعمل والوفاء.
يكفي – بل يكفي كثيرًا – أن يبدأ كل واحدٍ منا من دائرته الصغيرة: من حارته، من قريته، من مديريته، من محافظته. أن يخدم المكان الذي يقف عليه بصدق، وأن يؤدي ما يستطيع بضمير حيّ. فالأوطان لا تُبنى بالتصورات الكبرى وحدها، بل تتماسك لبناتها حين يضع كل إنسان حجره في موضعه بإخلاص.
إن انتظار تحقق شكل الدولة الذي نحلم به قبل أن نبدأ العمل من أجلها يشبه انتظار المطر قبل أن نحرث الأرض. والأسوأ من ذلك أن يتحول بعض الحالمين إلى معاول هدم، يظنون أن تخريب الحاضر سيعجّل بولادة المستقبل الذي يريدونه. غير أن تجارب التاريخ تخبرنا بأن الهدم أسهل بكثير من البناء، وأن من اعتاد كسر الجدران قد يعجز يومًا عن رفعها.
ومن يدري؟
ربما يأتي يومٌ تتحقق فيه الدولة التي تحلم بها. وربما تجد نفسك واقفًا أمامها، لا كمتفرجٍ أو ناقدٍ غاضب، بل كأحد البنّائين الذين تعلّموا بصبرٍ كيف تُشاد الجدران وكيف تُرفع السقوف.
وعندها فقط ستدرك أن الخبرة التي اكتسبتها في البناء كانت أثمن بكثير من أي تجربةٍ في الهدم، وأن خدمة الوطن لا تبدأ من شكل الدولة… بل من صدق الإنسان وهو يضع يده في ترابها ليبني.

إغلاق