اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

عيد الأم… حين يصبح الحنين وطناً لا يغيب

عيد الأم… حين يصبح الحنين وطناً لا يغيب

بقلم : رجاء حمود الإرياني

في كل عام، ومع إشراقة الحادي والعشرين من مارس، تتزيّن البيوت بالزهور، وتتعالى عبارات الامتنان، وتُكتب الكلمات التي تعجز أحيانًا عن وصف مكانة الأم في القلوب. يأتي عيد الأم حاملاً معه مشاعر الفرح لمن ما زالت أمهاتهم تملأ حياتهم حضورًا، ومشاعر الشوق والحنين لمن غيّب الموت أمهاتهم عن العيون دون أن يغيبهن عن الأرواح.
هذا اليوم أصبح مناسبة سنوية ينتظرها الأبناء ليعبّروا عن امتنانهم، تقديرًا للعطاء والتضحيات التي قدمتها الأمهات عبر الزمن. الرسالة واحدة في كل أنحاء العالم: الأم هي الأصل، وهي النبع الأول للحب غير المشروط.
لكن عيد الأم لا يعني الشيء ذاته للجميع. فهناك من يشتري هديته بفرح، وهناك من يضع وردة على قبر، وهناك من يكتفي برفع يديه بالدعاء. بالنسبة لمن فقدوا أمهاتهم منذ سنوات، لم يعد هذا اليوم هو الأول في غيابها، بل صار موعدًا يتكرر عامًا بعد عام، يحمل في طياته ذكرى لا تبهت مهما طال الزمن.
ومع مرور الأعوام، يتبدّل شكل الحزن. في البدايات، يكون الألم طاغيًا، ثقيلًا، يفرض صمته على اليوم كله. لكن مع تعاقب السنين، يصبح الحزن أكثر هدوءًا، وأعمق أثرًا. لا يختفي الشوق، بل ينضج. يتحوّل من وجعٍ حاد إلى حنينٍ راسخ، ومن دمعةٍ مفاجئة إلى ابتسامةٍ ممزوجة بالذكرى. فالأم لا تغيب بغياب الجسد، بل تبقى حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية؛ في نصيحةٍ كانت ترددها، في دعاءٍ كانت تحرص عليه، في قيمةٍ غرستها في نفوس أبنائها.
أذكر كيف كانت أمي تحرص على أن يكون كل صباح بداية جديدة، تزرع فينا التفاؤل وتعلّمنا الصبر. كانت تقول دومًا: “الأيام تمضي، والقلوب تبقى، فحافظوا على قلوبكم نظيفة، وعلى حبكم صادقًا.” بعد رحيلها، أصبحت كلماتها مرشدي، وحنانها حضني الذي ألتجئ إليه في كل لحظة ضعف أو حزن.
عيد الأم، لمن غابت أمه منذ سنوات، يصبح يوم وفاء أكثر منه يوم احتفال. وفاءٌ يتجلى في زيارة قبرها، أو في صدقةٍ جارية تُهدى لروحها، أو في صلة رحم كانت تحرص عليها، أو في محاولة صادقة للعيش وفق المبادئ التي ربّت أبناءها عليها. إنه احتفال من نوعٍ مختلف؛ احتفال صامت، لكنه عميق وممتد، يُظهر الحب الذي لا يزول مع مرور الزمن.
في هذا اليوم، تتجلى معاني الأمومة في أعظم صورها: ليست فقط من تمنح الحياة، بل من تصوغ ملامحها، وتشكل الوجدان، وتبني الإنسان من الداخل. قد تمر سنوات طويلة على رحيلها، لكن أثرها يظل حاضرًا في القرارات، في الأخلاق، في طريقة التعامل مع الآخرين، وحتى في نبرة الصوت التي قد تشبهها دون قصد.
عيد الأم يذكّر المجتمع كله بقيمة هذه المكانة العظيمة. فهو ليس مجرد مناسبة اجتماعية أو تقليد سنوي، بل فرصة للتأمل في حجم التضحيات التي تقدمها الأمهات بصمت، وفرصة لإعادة الاعتبار لدورهن في بناء الأجيال وصناعة المستقبل. وفي الوقت نفسه، هو مساحة إنسانية رحبة للاعتراف بأن الفقد جزء من الحياة، وأن الحب الحقيقي لا تحدّه حدود الزمن.
قد يعتقد البعض أن مرور السنوات يخفف وطأة الغياب إلى حدّ النسيان، لكن الحقيقة أن الأم لا تُنسى. قد تهدأ الدموع، وقد تتبدل تفاصيل الأيام، إلا أن مكانها في القلب يظل ثابتًا. كل عيد أم يأتي، سواء كان الأول أو الخامس أو حتى بعد أعوامٍ طويلة، يعيد فتح نافذة الذكرى، لا ليجدد الألم فقط، بل ليؤكد أن الحب الذي تأسس على العطاء لا يموت.
هناك شيء سحري في الذكريات المرتبطة بالأمهات. أحيانًا يكفي رائحة فنجان القهوة، أو نسمة هواء عابرة، لتعود بك الذاكرة إلى أيام الطفولة، فتسمع ضحكتها وتشم عطراً يذكرك بها، وتغمر قلبك دفء لم يفارقك منذ زمن بعيد. في عيد الأم، تتحول هذه التفاصيل الصغيرة إلى كنوز نفيسة، تحمل الحنين إلى أقصى حد، لكنها تمنح القلب قوة وطمأنينة.
كما أن القصص الصغيرة اليومية التي كنا نعيشها معها تصبح دليلاً على عمق أثرها. من أول درس في الصبر على تأجيل الرغبات، إلى أول كلمة تشجيع في مواجهة الخوف، وكل مرة كانت تُعطينا فيها حضنًا دافئًا بعد يوم شاق، كلها أصبحت إرثًا حيًا يرافقنا ويشكل نظرتنا للحياة.
في عيد الأم، تتعدد المشاعر وتختلف الحكايات، لكن تبقى الحقيقة واحدة: الأم قيمة خالدة، وحضورها – حيّة كانت أم راحلة – يظل أقوى من الغياب. قد يختلف شكل الاحتفال، وقد تتغير الطرق، لكن جوهره يبقى الحب والوفاء. لمن غابت أمه منذ سنوات، تصبح الزيارة، الدعاء، وذكرها في كل فرصة، وسيلة لتجديد الوصال معها، ولو في قلب الروح.
هذا اليوم يعلمنا أيضًا درسًا إنسانيًا: أن الحنين لا يضعف، وأن الحب الذي يُغرس بالوفاء لا يندثر أبدًا. هو فرصة للتأمل في مدى تأثير الأمومة في بناء الإنسان، وكيف تظل قيم الأم حية في الأبناء مهما طال الزمن.
رحم الله كل أمٍ رحلت، وأدام نعمة الأمهات على من ما زالوا ينعمون بقربهن، وجعل هذا اليوم مناسبةً للوفاء الصادق الذي لا تحدّه سنوات، وللتذكير بأن الحنين إلى الأم وطنٌ داخلي لا يغيب أبدًا، حتى وإن غابت الأجساد.

إغلاق