اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

دار آريثيريا للطباعة والنشر والتوزيع: مشروع معرفي عابر للحدود في خدمة البحث العلمي العربي

دار آريثيريا للطباعة والنشر والتوزيع: مشروع معرفي عابر للحدود في خدمة البحث العلمي العربي

تاربة_اليوم / كتابات واراء

بقلم: الدكتور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

21 مارس 2026م

تُعد دار آريثيريا للطباعة والنشر والتوزيع من الدور العربية الصاعدة التي استطاعت أن تتجاوز الإطار المحلي لتبني لنفسها حضورًا علميًا عربيًا متناميًا. فقد تأسست الدار في الخرطوم – السودان عام 2020م، بوصفها ثمرة عمل علمي رصين تراكمي امتد لسنوات بين مؤسسيها البروفيسور حاتم الصديق محمد أحمد أبو زيد، والدكتور عوض أحمد حسين شبَّا، الأمر الذي منحها منذ نشأتها قاعدة معرفية صلبة ورؤية واضحة في مجال النشر الأكاديمي. ومنذ انطلاقتها، لم تبقَ حبيسة الجغرافيا القطرية، بل اتجهت إلى فضاء عربي أوسع، مستفيدة من شبكات النشر والمعارض والاهتمام المتزايد بالدراسات التاريخية والإنسانية ذات البعد العابر للحدود.
وقد تميزت الدار بتوجهها الواضح نحو النشر الأكاديمي الرصين، حيث أولت عناية خاصة بالبحوث التاريخية، ولا سيما ما يتصل بالسودان وشرق أفريقيا والقرن الأفريقي، غير أن هذا التخصص لم يكن انغلاقًا، بل مدخلًا للانفتاح؛ إذ تعاملت مع هذه الموضوعات بوصفها جزءًا من التاريخ العربي والإسلامي الأوسع، مما أكسب إصداراتها اهتمامًا لدى الباحثين في مختلف الأقطار العربية.
وفي سياق هذا الامتداد، حرصت الدار على تنويع إنتاجها بين التأليف والتحقيق والترجمة، فجمعت بين نشر الدراسات الأصلية وإعادة إحياء النصوص التاريخية، إلى جانب نقل أعمال أجنبية ذات صلة، الأمر الذي عزز من مكانتها بوصفها حلقة وصل معرفية بين الإنتاج العلمي المحلي والدولي. كما يظهر في بعض إصداراتها حضور اللغة الإنجليزية إلى جانب العربية، وهو مؤشر على وعيها بطبيعة الخطاب الأكاديمي المعاصر ومتطلباته.
ولا يقل عن ذلك أهمية اعتماد الدار على منهجية علمية واضحة في النشر، تقوم على خدمة الباحثين وطلاب الدراسات العليا، وتقديم مواد موثقة يمكن الإفادة منها في الدراسات المتخصصة. فهي لا تتجه إلى النشر التجاري بقدر ما تسعى إلى ترسيخ حضور معرفي جاد، الأمر الذي يجعلها أقرب إلى دور النشر الأكاديمية المتخصصة منها إلى الدور العامة. ويعزز هذا التوجه احتضانها لهيئة علمية استشارية دولية تضم نخبة من الباحثين، ويتشرف الدكتور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي بعضويتها، بما يضفي على عملها بعدًا علميًا مؤسسيًا راسخًا.
ويضاف إلى ذلك أن الدار تُعد جزءًا أصيلًا من مركز بحوث ودراسات دول حوض البحر الأحمر – السودان، وشريكًا له في مختلف منشوراته، وهو ما انعكس في حجم إنتاج علمي لافت؛ إذ بلغ عدد الإصدارات المشتركة حتى الآن (256) كتابًا في تخصصات متعددة، إلى جانب (510) عددًا من أعداد مجلات القُلزم العلمية الدولية المُحَكَّمة. ويعكس هذا الرقم تراكمًا معرفيًا مهمًا، كما يؤكد اندماج الدار في مشاريع بحثية إقليمية ذات صلة بالبحر الأحمر ودوائره الجيوسياسية والتاريخية، الأمر الذي أسهم في تعزيز جودة مخرجاتها وربطها بسياقات علمية أعمق وأكثر تخصصًا.
كما يتجلى حضور الدار في الفضاء الإلكتروني بوصفه امتدادًا طبيعيًا لمشروعها المعرفي؛ إذ أنشأت منظومة من المجموعات الإلكترونية المتخصصة تحت مظلة (آريثيريا)، تُعنى بنشر وتبادل الكتب والبحوث والدراسات والأوراق العلمية، وتشكل ثلاث مجموعات كبرى تمثل منصات تفاعلية للباحثين والمهتمين. ويوازي ذلك وجود مجموعة نوعية مخصصة لقراءة الكتب وعرضها وتحليلها نقديًا، بما يسهم في تنشيط الحوار العلمي وتعميق الوعي القرائي. ولم تغفل الدار جانب النشء، حيث خصصت مجموعة مستقلة تُعنى بكتب وقصص ومجلات الأطفال باللغتين العربية والإنجليزية، وهو توجه يعكس وعيًا بأهمية بناء قاعدة قرائية مبكرة ومتعددة اللغات.
إن هذا التوجه، مقرونًا بحضورها في المعارض والفعاليات الثقافية العربية، أسهم في توسيع دائرة تأثيرها، بحيث غدت جزءًا من المشهد الثقافي العربي، لا مجرد دار نشر محلية. ومن ثم يمكن القول إن دار آريثيريا تمثل نموذجًا لدار نشر عربية حديثة تسعى إلى بناء مشروع معرفي يتجاوز الحدود الجغرافية، ويرتكز على النشر العلمي الرصين والانفتاح على الفضاء العربي والدولي في آن واحد.

* آريثيريا: هو اسم قديم للبحر الأحمر، إلى جانب مسمى القُلزم، وغيره من المسميات الأخرى

.

إغلاق