سيئون.. هل يمكن أن نصبح “أمستردام الشرق” بطابع حضرمي أصيل؟
بقلم | م. حسام خميس عبيد غيثان
السبت 21 مارس 2026
في ذاكرتي القريبة، لا تزال مشاهد الشوارع المرصوفة والخاصة بالدراجات الهوائية في هولندا حاضرةً بكل تفاصيلها. كانت تلك البلاد مثالاً حياً لكيف يمكن لوسيلة نقل بسيطة أن تكون العمود الفقري لنظام نقل حضري ناجح وآمن.
وفي كل مرة أرى فيها مشاهد الازدحام والفوضى الناتجة عن تزايد الدراجات (النارية والهوائية) في شوارع سيئون، يراودني حلم واحد: لماذا لا نستلهم تلك التجربة الرائعة ونطبقها في مدينتنا؟
الدراجة في سيئون ليست مجرد وسيلة، بل هي ضرورة يومية، لكن عدم تنظيمها حوَّلها من نعمة إلى مصدر للقلق. نحن بحاجة إلى تحويل هذه الطاقة إلى حركة حضارية، آمنة، ومستدامة.
رؤية لسيئون الصديقة للدراجات: دمج التجربة الهولندية بالهوية اليمنية وحلول ذكية للطقس
لا يمكننا ببساطة نقل النموذج الهولندي كما هو؛ فبيئتنا في سيئون تتسم بخصوصية فريدة، أهمها الحرارة الشديدة والشمس الساطعة، وهذا هو التحدي الأكبر. لذا، يجب أن تتضمن خطة “سيئون الصديقة للدراجات” – منموذج لباقي مدن الوادي فيمابعد -حلولاً ذكية تضمن راحة وسلامة راكبي الدراجات في ظل هذه الظروف:
1. “مظلات خضراء” للشوارع (المسارات المظللة):
تشجير المسارات: يجب ألا يقتصر تصميم مسارات الدراجات على رسم خطوط على الأسفلت. بل يجب أن تكون هذه المسارات محاطة بـ “مظلات خضراء” طبيعية من الأشجار المحلية الكثيفة الظليلة، مثل النخيل وأشجار السمر، لتوفير الظل وكسر حدة أشعة الشمس المباشرة، ويمكن للمهندسين الزراعيين المساهمة هنا بتحديد أفضل الأنواع وأقلها استخلاكا للمياه وأكثرها ظلاً.
المظلات المستدامة: في المناطق المفتوحة حيث يصعب زراعة الأشجار، يمكن استخدام مظلات ذكية ومستدامة (مصنوعة مثلاً من مواد محلية كالقش أو مغطاة بالألواح الشمسية) لتوفير الظل وإنتاج الطاقة في آن واحد، كما هو موضح في التصاميم المرفقة.
2. مواقف دراجات “مظللة” ومريحة:
وداعاً للمواقف المكشوفة: يجب حظر المواقف العشوائية المكشوفة تماماً. بدلاً من ذلك، نحتاج إلى تصميم محطات ركن دراجات نموذجية ومظللة بالكامل، تحمي الدراجات من التلف وتوفر لراكبيها فرصة للراحة تحت الظل قبل إكمال طريقهم.
المرافق المصاحبة: يمكن أن تتضمن هذه المحطات مرافق بسيطة مثل برادات للمياه لترطيب الأجسام، وأكشاك للمعلومات المرورية.
3. “مسارات الهواء الطلق” (تصميم المدن المفتوحة):
الحد من “الجزر الحرارية”: يجب أن نتبنى تصميماً حضرياً يقلل من تراكم الحرارة (المعروف بظاهرة “الجزر الحرارية”). هذا يتطلب الابتعاد عن الأسفلت الأسود قدر الإمكان، واستخدام مواد رصف فاتحة اللون تعكس ضوء الشمس، بالإضافة إلى الإكثار من المساحات الخضراء (ومن الممكن الاستفادة من مبادرة الشرق الأوسط الأخضر لنأمين التمويل لمثل هذه المبادرات) في كل زاوية.
تعزيز دوران الهواء: يمكن تصميم الشوارع والمسارات بطريقة تعزز دوران الهواء وتسمح بمرور النسيم البارد، مما يلطف الأجواء بشكل ملحوظ.
خطوات عملية نحو المستقبل:
مشاريع نموذجية: يمكن البدء بتنفيذ “مشروع نموذجي” في شارع حيوي (مثل شارع الجزائر)، حيث يتم تطبيق كل هذه الحلول (المسارات المظللة بالأشجار والمظلات، والمواقف النموذجية) ليكون مثالاً يحتذى به.
تحفيز الدراجة الهوائية: تشجيع استخدام الدراجات الهوائية كبديل صديق للبيئة (وأقل ضجيجاً!) من خلال تقديم حوافز للطلاب والموظفين وتوفير دراجات عامة للإيجار.
حملات توعوية: تنظيم حملات توعوية مكثفة لتعليم ثقافة احترام راكب الدراجة وتغيير النظرة السلبية تجاه استخدامها.
سيئون ليست بحاجة إلى استنساخ أمستردام، بل هي بحاجة إلى خلق نسخة فريدة من “أمستردام الشرق” بطابع حضرمي أصيل، يراعي احتياجاتها الخاصة ويحترم بيئتها الفريدة، ليتمكن الجميع من التنقل بأمان وراحة وفخر.
هل سنشهد يوماً ما هذا الحلم يتحقق؟






