اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

العيد… معنى

العيد… معنى

بقلم / عبدالله حسن قاسم
الاربعاء 18 مارس 2026

يُطوى دفترُ الزمن في صمت، وتنسلّ سنةٌ أخرى من أعمارنا كخيطِ نورٍ عبر أصابع الانشغال. تمضي الأيام مسرعةً، لا تلتفت إلى ما تركته فينا، حتى يفاجئنا العيد طارقًا الأبواب برِقّةٍ لا تخلو من إلحاح؛ فيهرع إليه الأطفال بقلوبٍ خفيفةٍ كضحكاتهم، وتتلقّفه بعضُ النفوس بشغف الزينة، بينما يقف آخرون على عتبته متردّدين، يُشيحون بوجوههم عنه، كأنه لا يعنيهم، أو كأنهم لا يملكون له جوابًا.
وليس العيد في جوهره لحظةَ وصول، بقدر ما هو حكايةُ انتظارٍ تسبقها. هو تلك التفاصيل الصغيرة التي تُنسج على مهلٍ: فرحةُ الإعداد، دفءُ المشاركة، ورضا الاكتفاء بما تيسّر. فإذا أقبل، لم يُبدّل في الكون شيئًا؛ تظلّ الشمس شمسًا، والقمر قمرًا، غير أنّ القلوب هي التي تتبدّل، فتراه أجمل مما هو عليه. كالعريس بين الحضور، أو كلمعة الذهب بين المعادن، يكتسب بريقه من نظرات الناس إليه، لا من ذاته وحدها.
غير أنّ هذا البريق قد يثقل كاهل من لا يملك أدواته. ففي زوايا الحياة أُسرٌ تُجاهد لتأمين ضروراتها، وتعدّ ما لديها كمن يقتسم القليل على كثير. هناك، يصبح العيد اختبارًا صامتًا للتواضع والكفاح، لا مناسبةً للزهو. ولهذا، فإن أجمل ما يمكن أن يُهدى في مثل هذه الأيام ليس ثوبًا ولا مائدة، بل رِفقٌ في القول، ونُبلٌ في النظر، وصمتٌ كريمٌ عن كل ما قد يجرح. فليس للفرح هيئةٌ واحدة، ولا للبهجة مقياسٌ يُفرض على الجميع.
العيد، في عمقه، ليس ما نلبس ولا ما نُعدّ، بل ما نُضمر. هو فسحةُ الروح حين تتخفّف، واستراحةُ القلب حين يصفح، وانفراجُ النفس حين ترضى. هو قدرةٌ خفيّة على أن نصنع من القليل معنى، ومن البساطة جمالًا، ومن العابر لحظةً تستحق أن تُعاش.
فإذا أطلّ العيد، فلا تبحثوا عنه في المظاهر وحدها، بل في وجوهٍ تصفو، وقلوبٍ تتسامح، وأيدٍ تمتدّ دون حساب. ابتسموا بصدق، وامنحوا العذر بسخاء، وتبادلوا الصفح كما لو أنه أثمن الهدايا… فهناك، فقط، تكتمل السكينة، ويكون العيد.

إغلاق