من تفكيك النفوذ إلى بتر الذراع: الحرب التي ستعيد تشكيل إيران والمنطقة
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
17 مارس 2026
لم يعد ما يجري في الخليج مجرد مواجهة عسكرية محدودة بين الولايات المتحدة وإيران، بل تحول إلى عملية إعادة تشكيل شاملة لموازين القوة في الشرق الأوسط. فالمعركة الحالية لا تُخاض فقط في السماء أو البحر، بل في عمق بنية المشروع الإيراني نفسه.
الخطأ الأكثر شيوعًا في قراءة المشهد هو الاعتقاد بأن الهدف الغربي يتمثل في ردع إيران أو تحجيم نفوذها الإقليمي. لكن المؤشرات الميدانية والسياسية تشير إلى أن الاستراتيجية الغربية تجاوزت هذه المرحلة. ما يجري اليوم هو حرب تفكيك منهجية للبنية العسكرية والاقتصادية للمشروع الإيراني.
بمعنى آخر، لم تعد المعركة تهدف إلى قطع مخالب إيران، بل إلى بتر اليد التي تحمل هذه المخالب بالكامل.
لقد بنت طهران خلال العقود الأربعة الماضية منظومة نفوذ معقدة تقوم على ثلاث ركائز رئيسية: الردع الصاروخي، والقوة البحرية غير المتكافئة في الخليج، وشبكة الوكلاء والمليشيات الممتدة في المنطقة. واليوم تبدو الاستراتيجية الغربية مصممة لتفكيك هذه الركائز واحدة بعد الأخرى.
ومع انتقال مركز الصراع إلى مضيق هرمز، يصبح واضحًا أن المعركة تدور حول السيطرة على شريان الطاقة العالمي. فالمضيق الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية كان دائمًا الورقة الأهم في يد إيران لابتزاز المجتمع الدولي.
لكن واشنطن تبدو هذه المرة مصممة على نزع هذه الورقة نهائيًا.
التقديرات الاستراتيجية تشير إلى أن الولايات المتحدة تعمل على تشكيل تحالف دولي دائم لحماية الملاحة في مضيق هرمز، لا يقتصر على الدوريات البحرية، بل يمتد إلى تمركز عسكري مباشر في الجزر المتحكمة بالمضيق وعلى السواحل الإيرانية في الخليج.
وفي قلب هذه المعادلة الجيوسياسية تبرز جزيرة خرج، التي تمثل العقدة الاقتصادية الرئيسية لصادرات النفط الإيرانية. فتعطيل هذه الجزيرة أو تحييدها عسكريًا يعني ببساطة خنق الاقتصاد الإيراني من أهم شرايينه الحيوية.
لكن هذه المرحلة من الصراع لا تتعلق بالولايات المتحدة وحدها، بل تفتح الباب أمام دور خليجي حاسم في رسم التوازنات الجديدة للمنطقة.
فدول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، تدرك أن أمن الملاحة في الخليج ليس مجرد قضية اقتصادية، بل هو قضية أمن قومي واستقرار إقليمي. ومن هنا قد تتحول المرحلة القادمة إلى تحالف أمني أوسع تقوده القوى الدولية بالتنسيق مع الدول الخليجية لضمان أن يبقى مضيق هرمز ممرًا آمنًا للتجارة والطاقة العالمية.
وفي هذا السياق تحديدًا تبرز فرصة تاريخية أمام دولة الإمارات العربية المتحدة قد لا تتكرر.
فالجزر الإماراتية الثلاث التي احتلتها إيران منذ أكثر من نصف قرن – طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى – تعود اليوم لتقف في قلب الحسابات الاستراتيجية للخليج. فهذه الجزر ليست مجرد قضية سيادة وطنية للإمارات، بل تشكل أيضًا مواقع جغرافية بالغة الأهمية في منظومة الأمن البحري في الخليج.
وفي ظل التحولات العسكرية التي تشهدها المنطقة، قد تجد أبوظبي نفسها أمام لحظة تاريخية تسمح بإعادة طرح قضية هذه الجزر على أرض الواقع وليس فقط في المحافل الدبلوماسية.
بل إن بعض السيناريوهات الاستراتيجية لا تستبعد أن تتحول إحدى هذه الجزر – بعد استعادتها – إلى قاعدة عسكرية دولية دائمة ضمن منظومة أمن الملاحة في مضيق هرمز، بما يضمن استقرار الممر البحري الأكثر حساسية في العالم.
إن تحقق مثل هذا السيناريو سيعني أن الخليج لا يشهد فقط حربًا لكبح إيران، بل تحولًا جذريًا في هندسة الأمن الإقليمي.
وفي النهاية، يبدو أن الهدف الحقيقي لهذه الحرب لا يتمثل في إسقاط النظام الإيراني بقدر ما يتمثل في إخضاعه استراتيجيًا وإعادة تعريف دوره وحدود قوته في المنطقة.
فحين تفقد طهران قدرتها على تهديد الملاحة الدولية، وتتآكل أدواتها العسكرية، وتتراجع شبكات نفوذها الإقليمية، فإنها ستجد نفسها أمام واقع جديد يفرض عليها قبول قواعد توازن مختلفة تمامًا عمّا عرفته خلال العقود الماضية.
عند تلك اللحظة فقط ستتوقف الحرب…
ليس لأن الصراع انتهى، بل لأن المشروع الإيراني سيكون قد فقد القدرة على الاستمرار كقوة تهديد في الخليج والمنطقة.
المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع






