عشاء مع الرجل الذي أقنع الصمت أن يتكلم
بقلم / صدام عبيد الزبيدي
الاثنين 16 مارس 2026
قراءة ممتعه
في بعض الأمسيات لا يكون العشاء مجرد طعام يوضع على مائدة بل يتحول إلى رحلة في عوالم الفكر والمعرفة. لحظات قليلة قد تجلس فيها مع أشخاص يفتحون أمامك أبوابا واسعة من التأمل في هذا العالم. مساء مختلف عشته حين جمعتني مائدة عشاء مع العالم المصري الكندي حاتم زغلول الرجل الذي ساهم بعقله في اختراع شبكة الاتصال اللاسلكي المعروفة باسم Wi‑Fi تلك الإشارة الصغيرة التي تعبر الهواء وتربط العالم كله دون أن نراها.
كان المكان هادئا لكن الحديث الذي دار على تلك الطاولة لم يكن عاديا. فقد كان معنا أيضا رجل الأعمال الحضرمي أمين باويز ورجل الأعمال المصري مكرم وكان اللقاء مزيجا من الفكر والتجربة والحكايات التي تصنعها الحياة حين تجمع بين العقول المختلفة.
حين جلسنا إلى الطاولة شعرت أنني لا أجلس مع مخترع تقنية فحسب بل مع عقل يرى العالم بطريقة مختلفة. فالرجل الذي استطاع أن يجعل الصمت مليئا بالإشارات لا بد أن تكون له حكاية مع الفكرة الأولى التي قادته إلى هذا الطريق.
بدأ الحديث بسيطا لكنه سرعان ما تحول إلى رحلة في عمق التكنولوجيا. تحدث الدكتور حاتم زغلول عن البدايات وكيف أن الاختراعات الكبيرة لا تولد فجأة بل تنمو ببطء مثل شجرة تحتاج إلى صبر طويل حتى تثمر. قال إن الفكرة الأولى كانت أشبه بسؤال بسيط طرحه على نفسه يوما ما: هل يمكن أن يحمل الهواء المعلومات كما يحمل الصوت.
هذا السؤال الصغير كان الشرارة التي فتحت بابا لعالم كامل من الاحتمالات. فالموجات التي تملأ الفضاء حولنا ليست مجرد فراغ صامت بل عالم كامل من الإشارات غير المرئية. وكل ما يحتاجه الإنسان هو أن يفهم لغتها حتى يستطيع أن يستفيد منها.
قال وهو يبتسم إن أعظم الاكتشافات في التاريخ لم تأت لأن الإنسان كان يعرف الإجابة بل لأنها بدأت بسؤال. الفضول هو المحرك الحقيقي للعقول التي تغير العالم.
في تلك اللحظة أدركت أن التكنولوجيا في جوهرها ليست مجرد أجهزة أو برامج بل هي تعبير عن فضول الإنسان ورغبته الدائمة في تجاوز الحدود التي تبدو ثابتة.
تدخل رجل الأعمال أمين باويز في الحديث قائلا إن العالم اليوم أصبح مختلفا تماما بسبب هذه التقنيات. التجارة والتعليم وحتى العلاقات الإنسانية أصبحت تعتمد على شبكة غير مرئية تربط الناس في كل مكان. فاليوم يستطيع شاب في قرية بعيدة أن يتعلم من جامعة في قارة أخرى وأن يدير أعماله عبر هاتف صغير في يده.
وأضاف أن التكنولوجيا لم تعد رفاهية بل أصبحت لغة العصر التي يجب أن يتعلمها الجميع. فمن لا يفهم هذه اللغة سيجد نفسه معزولا عن العالم مهما كان قريبا منه.
أما المعلم مكرم فقد تحدث من زاوية مختلفة. قال إن الاختراعات العظيمة لا تغير فقط شكل الحياة بل تغير أيضا طريقة تفكير الإنسان. فحين أصبح الاتصال متاحا في كل مكان أصبح العالم أصغر وأقرب مما كان عليه في الماضي.
تذكرت وأنا أستمع إليهم أن بعض الاهالي عندنا في شريوف الذين كانوا لديهم بعض المسافرين في السعوديه كانوا ينتظرون شهورا حتى تصل رسالة من مسافر ويتم السماع إليها باشرطه الكاسيت (المسجلة ) أما اليوم فإن كلمة واحدة يمكن أن تعبر القارات في لحظة. لقد تغير الزمن وتغيرت معه سرعة الحياة.
لكن الدكتور حاتم زغلول قال شيئا لفت انتباهي كثيرا. قال إن التكنولوجيا رغم عظمتها لا يجب أن تجعل الإنسان ينسى إنسانيته. فالاختراعات خلقت لتخدم الإنسان لا ليصبح هو خادما لها.
وأضاف أن أعظم التحديات في هذا العصر ليست في اختراع التقنيات الجديدة بل في استخدام هذه التقنيات بطريقة تعود بالنفع على البشرية. فالعلم يمكن أن يبني ويمكن أيضا أن يهدم إذا فقد الإنسان الحكمة في استخدامه.
في تلك اللحظة شعرت أن الحديث لم يعد عن شبكة لاسلكية أو اختراع تقني بل عن فلسفة الحياة نفسها. فكل فكرة في هذا العالم تحمل في داخلها مسؤولية أخلاقية. وكل اختراع يمكن أن يكون نعمة إذا استخدم في الخير.
ومع مرور الوقت أصبح الحوار أكثر عمقا. تحدثنا عن المستقبل وعن العالم الذي يتغير بسرعة مذهلة. عالم تتحرك فيه المعلومات أسرع من أي وقت مضى وتصبح فيه المعرفة القوة الحقيقية.
قال الدكتور حاتم زغلول إن المستقبل سيكون لأولئك الذين يملكون القدرة على التفكير والإبداع. فالمعرفة لم تعد محصورة في مكان معين بل أصبحت متاحة لكل من يبحث عنها بجدية.
كانت كلماته تحمل روحا من الأمل. وكأن الرجل الذي أقنع الصمت أن يتكلم ما زال يؤمن بأن أعظم ما في الإنسان هو عقله وقدرته على الابتكار.
انتهت تلك الأمسية لكن أثرها بقي في داخلي. أدركت أن الاختراعات العظيمة ليست مجرد تقنيات تغير العالم بل هي قصص إنسانية تبدأ بفكرة صغيرة في عقل إنسان يؤمن بأن المستحيل مجرد كلمة مؤقتة.
خرجت من ذلك اللقاء وأنا أفكر في الهواء الذي يحيط بنا. هو نفسه الهواء الذي كان يحيط بأسلافنا قبل مئات السنين لكنه اليوم يحمل ملايين الرسائل والبيانات والأصوات والصور.
ربما لم يتغير الهواء نفسه لكن الإنسان هو الذي تعلم كيف يصغي إلى لغته الخفية.
وفي النهاية بقيت فكرة واحدة تدور في ذهني طوال الطريق. أن العالم لا يتغير دائما بالصخب والضجيج بل يتغير أحيانا بفكرة هادئة تولد في عقل إنسان ثم تنتشر في صمت حتى تصل إلى كل بيت وكل قلب.
وهكذا كان عشاء تلك الليلة أكثر من مجرد لقاء عابر. كان رحلة في بحر التكنولوجيا ودرسا في معنى الفضول الإنساني الذي يدفع الإنسان دائما إلى اكتشاف ما وراء الصمت.






