اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

لو أن البشر يتعظون!

لو أن البشر يتعظون!

بقلم / عبدالله حسن قاسم
الجمعة 13 مارس 2026

ما يتمنّى قيام الحروب إلا معتوهٌ أطفأت الحماقة بصيرته فلم يعد يرى ما وراء الدخان، أو متهوّرٌ خفَّ ميزان الحكمة في قلبه حتى صار لا يعبأ بعواقب الأفعال. فالحرب ليست مجرّد حدث عابر في سجلّ الأيام، بل زلزالٌ أخلاقيّ يهزّ ضمير الإنسانية ويعرّي ادعاءاتها. إنها الشرّ حين يتجسّد، واللحظة التي تسقط فيها الأقنعة عن وجوهٍ طالما تباهت بالتمدّن والحضارة.
كم يتغنّى الإنسان المعاصر بإنجازاته، ويُفاخر بأنه سَخَّر العلم والآلة، وطوّع الطبيعة، وأخضع الليل والنهار لراحته وخدمته. يرفع رايات البناء، ويتحدّث بلغة الإعمار، ويخطّط لمدنٍ تلامس السماء. غير أنّ هذا الإنسان نفسه—في لحظةٍ واحدةٍ من جنون الطمع—يتحوّل إلى نقيض ما يدّعيه؛ فإذا باليد التي تبني تهدم، وإذا بالعقل الذي ابتكر وسائل الحياة يبتكر وسائل الموت. وهكذا يجد نفسه، فجأةً ودون إنذار، غارقًا في مستنقع الخراب، يشيّد المقابر بدل البيوت، ويصنع المآسي بدل الأحلام.
وحين تندلع الحرب، فإنها لا تمرّ على الأرض مرور الغيم، بل تجتاحها كعاصفةٍ عمياء، تأتي على كل شيء: المدن، والحقول، والذاكرة، وحتى الطمأنينة التي تسكن قلوب الناس. تترك وراءها خرابًا واسعًا كأن الزمن نفسه انكسر، فلا تعود الحياة إلى عافيتها إلا بعد عقودٍ من الألم والترميم. وفي خضمّ هذا الخراب، تنكشف طبقاتٌ خفيّة من طبيعة الإنسان؛ إذ يتجرّد بعضهم في لحظةٍ خاطفة من كل القيم التي ظلّ يتغنّى بها، كأن الحضارة كانت ثوبًا مستعارًا خلعه عند أول اختبار.
والأشدّ مرارة أن كثيرًا من هذه الحروب لا تولد من قضايا عظيمة كما يُعلن، بل من أسبابٍ ضئيلةٍ تُخفى خلف ستار الشعارات. تُشعلها مصالح ضيقة وأطماع خفية، ثم تُدفع الشعوب ثمنها دمًا ودموعًا. وفي النهاية، لا يتحقّق من تلك المآسي إلا رواجُ تجارةٍ واحدة: أسلحةٌ كانت مكدّسة في المخازن فوجدت طريقها إلى الصدور والبيوت.
غير أن للحرب وجهًا آخر يجعلها مرآةً قاسيةً نتأمل فيها مصير البشر. فهي تذكّرنا بأن النار حين تشتعل لا تعترف بالحدود، وأن أحدًا ليس بعيدًا تمامًا عن لهيبها مهما احتمى بالحصون أو احتمى بالوهم. فالدول التي اعتادت، عبر عقودٍ طويلة، أن تُصدّر الويلات والشرور إلى شعوبٍ أخرى، وأن تعبث بمصائرها من وراء البحار، وجدت نفسها يومًا تتجرّع من الكأس نفسها، في مشهدٍ يهمس للحكمة القديمة: إن الدنيا دار قضاءٍ عاجل، وإن ما يُزرع في أرضها—خيرًا كان أم شرًّا—لا بد أن يعود إلى صاحبه يومًا ما.
ولو أن البشر تعلّموا من هذا الدرس، لأدركوا أن أعظم انتصار ليس في إشعال الحروب، بل في إخمادها، وأن أسمى حضارةٍ لا تُقاس بما تبنيه الأيدي فقط، بل بما تصونه القلوب من حياةٍ وكرامةٍ وسلام.

إغلاق