حين يُجبر ضابط في الجيش على بيع القات… ماذا بقي من هيبة الدولة؟
مقال لـ / الصحفي محمد ناصر عجلان
ليست القصة مجرد مشهد عابر في أحد أسواق اليمن، بل هي صورة مؤلمة تختصر حجم الأزمة التي وصل إليها حال المؤسسة العسكرية. فحين ترى ضابطًا في الجيش اليمني برتبة مقدم، يشغل منصب عمليات كتيبة، يجلس على الأرض في سوق عام ليبيع القات كي يؤمّن قوت يومه، فإن السؤال لم يعد عن حال هذا الضابط وحده، بل عن حال الدولة نفسها.
ذلك الضابط لم يصل إلى رتبته صدفة، ولم يحصل على منصبه بالمجاملة. بل أمضى سنوات من عمره في الكلية الحربية، تخرج منها بتقدير ممتاز، وتلقى تدريبات عسكرية وميدانية مكّنته من اكتساب خبرات يمكن أن يستفيد منها الجيش في ميادين القتال والإدارة العسكرية. لقد أفنى سنوات من شبابه في خدمة المؤسسة العسكرية، وكان من المفترض أن يُكافأ على إخلاصه وخبرته، لا أن يجد نفسه مضطرًا للبحث عن لقمة العيش في الأسواق.
إن مشهد ضابط عسكري يبيع القات في سوق عام ليس إهانة لشخصه فقط، بل إهانة لهيبة المؤسسة العسكرية بأكملها. فالجندي أو الضابط الذي لا يجد راتبه ولا يستطيع إعالة أسرته، كيف يمكن أن يُطلب منه الحفاظ على الانضباط العسكري أو الدفاع عن الوطن بروح معنوية عالية؟
لقد مرّت المؤسسة العسكرية في اليمن خلال السنوات الأخيرة بظروف صعبة، رافقتها قرارات وإجراءات أدت إلى إرباك أوضاع كثير من الوحدات العسكرية، ومنها وحدات المنطقة العسكرية الأولى، التي تم إخراجها من بعض مناطق انتشارها وتشتيت عدد من منتسبيها. ومهما كانت المبررات السياسية أو الإدارية، فإن الحقيقة المؤلمة أن كثيرًا من الضباط والجنود وجدوا أنفسهم خارج مواقعهم العسكرية، أو بلا استقرار وظيفي أو مالي.
إن إعادة ترتيب الأوضاع العسكرية أمر قد تفرضه الظروف، لكن الحفاظ على كرامة العسكري وحقوقه يجب أن يظل خطًا أحمر. فالدول التي تحترم جيوشها تحرص أولًا على كرامة الضابط والجندي، لأنها تدرك أن الجيش ليس مجرد تشكيل عسكري، بل مؤسسة سيادية تمثل قوة الدولة وهيبتها.
اليوم، حين نرى ضابطًا خدم بلده لسنوات طويلة يجلس في سوق شعبي ليبيع القات، فإن القضية لا تتعلق به وحده، بل برسالة خطيرة مفادها أن العسكري يمكن أن يُترك لمصيره بعد سنوات من الخدمة. وهذه رسالة لا تضر بالأفراد فقط، بل تضرب الثقة داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
إن إنصاف العسكريين، وصرف مستحقاتهم، والاستفادة من خبراتهم بدلاً من تهميشهم، ليس ترفًا إداريًا، بل ضرورة وطنية لحماية ما تبقى من تماسك الجيش اليمني.
فالدول لا تسقط فقط بسبب الحروب، بل قد تسقط حين تُهمل مؤسساتها، وتُترك كوادرها المخلصة لتواجه مصيرها وحدها.






