اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حين يفقد الألم معناه.

حين يفقد الألم معناه.

بقلم / روان الاميري

في كل مرة تندلع حرب في مكانٍ ما، أو تعصف أزمة بهذا العالم، لا يستوقفني صوت الانفجارات بقدر ما يستوقفني تفاعل الناس مع الحدث.
أرى من يشمت، من يسخر، من يتعامل مع المأساة كأنها مادة للترفيه أو “محتوى” للجذب.
وهذه الفئة من الناس ربما تظن بأن النجاة من الألم تمرّ عبر السخرية منه، فأحيانًا لا تكون السخرية استخفافًا بالمأساة بقدر ما تكون محاولة للهروب من الإحساس بها، لا سيما وأن الاعتراف بالألم يقتضي الشعور بالعجز، وهذا شعور مرهق. لذا؛ يختار البعض الطريق الأسهل، أي تحويل الفاجعة إلى نكتة، وتحويل الوجع إلى مادة قابلة للمشاركة.
وهذا كله، ورغم عدم قبوله، وانزعاجي منه مرات، إلا أنني أستطيع فهمه وابتلاعه، ولكن ما يعجز قلبي عن تمريره ومضغه هو الشماتة؛ أي تلك الفئة الذين لا يهربون من الألم، بل يحتفون به. الذين يتمنّون الدمار، ويستعجلون الخراب، ويهتفون للتصعيد.
هنا لا يعود الأمر محاولة لتخفيف العبء النفسي،
بل يتحوّل إلى شعور عميق بأن معاناة الآخر مستحقة، خاصةً حين يكون لذلك الآخر يدٌ في إشعال نار الظلم والقهر داخلنا. لكن المشكلة أن النار لا تعرف العدالة، والألم لا يصبح أقل قسوة حين ينتقل إلى جهة أخرى، كما أن الحياة غير قابلة للمفاضلة، والموت غير قابلًا للتبرير.

إن أسوأ ما في الحروب ليس الموت وحده، بل الشرخ الذي تُحدثه في الوعي الجمعي. إذ يبدأ العقل في ممارسة أخطر أشكال التقسيم: “نحن” و“هم”.
ونحن — دومًا — الأخيار بينما هم — بالضرورة —الأشرار.
إن هذه السردية بالتحديد لا تُولد من فراغ؛ بل تنشأ حين يعجز العقل عن احتمال التعقيد، وتفكيك الأبعاد المتشابكة للصراع. فالحرب لا تُنتج شخصياتٍ مكتملة البراءة أو مكتملة الإدانة، بل شبكةً معقدة من الخوف، والمصالح، والتاريخ، والقرارات المتراكمة.
غير أن الاعتراف بهذا التشابك يتطلب شجاعة فكرية، أن ننظر إلى الصورة كاملة، لا إلى ذلك الجزء الذي يتطابق مع رؤيتنا نحنُ. علينا أن نقبل بأن المأساة قد تحمل أكثر من رواية، وأن الألم قد يكون دائريًا، لا خطًا مستقيمًا يبدأ من طرف وينتهي عند آخر. لكن العقل المُرهَق يختار الاختزال، وهكذا، لا يعود الطرف الآخر إنسانًا بملامحنا وتجاربنا وخوفنا، بل يتحوّل إلى فكرةٍ مجرّدة، ومتى ما تحوّل الإنسان إلى فكرة، سَهُل تجريده من التعاطف، وسَهُل تبرير الألم الواقع عليه. فالشرخ الحقيقي كما قلت لا يقع على الجبهات وحدها، بل في داخل وعينا، حين نصبح غير قادرين على رؤية الإنسان إلا من خلال موقعه منا.

ربما أقنعتنا السرديات أننا “نحن” وهم “هم”.
ربما صدّقنا — في لحظة غضب — أن الألم حين يصيب الطرف الآخر يشفي جروحنا.
لكن خلافنا مع حكوماتٍ أو سياساتٍ أو قرارات،
لا يمنحنا حق الفرح بما يحلّ بشعوبها.
فالسياسة شأن سلطات، أما الموت فشأن بشر.
فليس من العدل أن نرى في دماء المدنيين تصحيحًا لمسار التاريخ، فالضمير لا يتجزأ، إما أن نرفض الموت لكل إنسان، أو نفقد حقّنا في الاحتجاج عليه حين يطرق أبوابنا. فالروح لا تحمل جنسية،
والألم لا يصطفّ خلف علم، والحرب مهما قيل عنها تظل خسارةً أخلاقية قبل أن تكون خسارةً سياسية.

نعم، نختلف مع السياسات، فالخلاف السياسي مشروع، والاختلاف في الرأي حقٌّ طبيعي، لكن هذا كله لا يمنحنا حقّ التنازل عن إنسانيتنا.
فالسياسة تتغيّر، والسلطات تتبدّل، أما قيمة الإنسان فلا تُقاس بميزان الانحياز، ولا تخضع لمعادلات الربح والخسارة.
وحين أقول إنسان، فأنا أستدعي المعنى الذي يسبق كل اختلاف، ويتجاوز كل انقسام.

إغلاق