في الذكرى الخامسة لرحيل العالم الديني والتربوي الوطني الأستاذ محمد الفقيه
بقلم | هشام الحاج:
تمرّ خمسة أعوام على رحيل العالم الديني والتربوي الوطني محمد الفقيه، ولا تزال ذكراه حيّة في القلوب، نابضة في الوجدان، وماثلة في ذاكرة الوطن الذي أفنى عمره في خدمته. خمس سنوات مضت منذ أن غيّبه الموت، غير أن أثره لم يغب، وسيرته لم تنطفئ، بل ازدادت إشراقًا كلما مرّت الأيام، وكأن حضوره باقٍ في ضمائر من عرفوه وتتلمذوا على يديه.
وُلد الفقيد في 17 أكتوبر 1941م في مدينة الضالع، ونشأ يتيم الأبوين، فكان اليُتم بوابةً مبكرةً لتحمّل المسؤولية وصقل الشخصية. تلقى تعليمه الأساسي في مديرية قعطبة، وكان منذ صغره محبًا للعلم، مجتهدًا، متوقد الذكاء، قوي العزيمة والإصرار. تميز بأخلاق رفيعة؛ صدقٍ وأمانةٍ وشجاعةٍ وسلامة صدر، وحبٍ عميقٍ للخير، فحاز احترام زملائه وتقدير معلميه.
ومنذ سنواته الأولى، لم يكن طالبًا عاديًا؛ بل كان شغوفًا بنشر العلم، يعقد حلقات لتحفيظ القرآن الكريم، ويمنح زملاءه دروسًا علمية، ويعتلي منابر المساجد خطيبًا وإمامًا، جامعًا بين الفقه والتربية، وبين الكلمة الطيبة والسلوك القويم.
بدأ مشواره التعليمي معلّمًا في مدرسة الضالع الابتدائية في 5 يناير 1959م، ثم انتقل إلى مدرسة الإصلاح في يافع، قبل أن يعود إلى مدارس الضالع.
تدرّج في مسيرته المهنية موجهًا فنيًا لسنوات، ثم مديرًا لمدرسة علي محمد صالح، حتى عُيّن مديرًا عامًا لمديرية الضالع عام 1996م.
حصل على دبلوم عالٍ من دار المعلمين بمدينة الشعب في عدن، ونال العديد من الشهادات التقديرية من رئاسة الوزراء، كما مُنح وسام مناضلي حرب التحرير من دولة رئيس الوزراء آنذاك حيدر أبو بكر العطاس تقديرًا لدوره الوطني.
لم يكن الأستاذ محمد الفقيه معلمًا تقليديًا؛ بل كان مربّي أجيال وصانع وعي. عُرف بمهارته الفائقة في كتابة ورسم الحرف العربي، حتى تأثر به كثير من طلابه في أصول الخط والفقه، وكانوا يقلّدونه حبًا وإعجابًا. رآه طلابه أبًا حنونًا قبل أن يكون معلمًا، وموجهًا عطوفًا قبل أن يكون إداريًا.
كان شغوفًا بتطوير مدرسته، يعتني بتجميلها وطلائها، ويهتم بطلابه الفقراء اهتمام الأب بأبنائه، فيوفر لهم من راتبه الشخصي ما يحتاجونه من مستلزمات دراسية دون أن يشعرهم بحرج أو نقص. جمع في شخصه بين التربية والدين، وبين النزاهة والعطاء، فكان مثالًا حيًا للمعلم الرسالي الذي يرى في التعليم رسالة سامية لا وظيفة عابرة.
امتاز الفقيد بصفات الصبر والطموح والتفاني والإيثار، وكان حريصًا على صلة الرحم والعطف على الفقراء والمحتاجين. ومن أبرز بصماته إشرافه المباشر على بناء الجامع الكبير في الضالع، حيث كان إمامه ومتابعه الدؤوب، يعمل مع العمال بيديه، ويشرف على كل تفاصيله حتى اكتمل بناؤه.
ورغم ما تعرّض له من أزمات صحية ألزمته الفراش في أحيان كثيرة، ظل ثابتًا في عطائه، عالي الهمة، نظيف اليد واللسان والسريرة. قضى جلّ عمره في الحقل التربوي، قامة تنويرية واجتماعية ووطنية بارزة، تخرّج على يديه عدد كبير من القيادات والكوادر الذين تقلدوا مناصب رفيعة في الدولة، من عسكريين وسياسيين وإداريين، يحملون في ذاكرتهم صورة معلمهم الأول.
اختطّ الأستاذ محمد الفقيه لنفسه منهج الوسطية والاعتدال، فكان أحد ركائز العلماء البارزين في مدينة الضالع ووجاهاتها الاجتماعية.
كما كان من أبرز المؤسسين لحركة القوميين العرب فرع الضالع، جامعًا بين الحس الوطني والانتماء القومي، وبين الرسالة الدينية والرؤية التربوية المتوازنة.
يصفه بعض تلاميذه بأنه كان أشبه بنورٍ هادئٍ يدخل القلوب بلا استئذان؛ قريبًا من الجميع، متواضعًا رغم علمه، بسيطًا رغم مكانته، لا يسعى إلى منصب، ولا يطلب جاهًا، بل كان همه الأكبر كيف يعلّم الأجيال دينهم الصحيح، ويغرس فيهم حب الوطن والانتماء إليه.
عاش الأستاذ محمد الفقيه مجتهدًا، ومات مخلصًا، تاركًا إرثًا من القيم والعلم والسلوك الحسن. بقيت ابتسامته المشرقة ونبرات صوته الهادئة حاضرة في ذاكرة طلابه الذين كبروا وهم يستحضرون دروسه في الاعتدال والفضيلة والانتماء الوطني.
وفي الذكرى الخامسة لرحيله، نستحضر سيرته بكل فخر واعتزاز، ونبعث بأحر التعازي والمواساة إلى أبنائه الكرام: المهندس عبدالباسط الفقيه، والدكتور محمد الفقيه، والمهندس بلال الفقيه، وإلى جميع أهله ومحبيه في الضالع وعدن وسائر الوطن، سائلين الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه الفردوس الأعلى مع الصالحين، وأن يجزيه عن أجياله ووطنه خير الجزاء.
رحم الله الأستاذ محمد الفقيه، فقد كان عالمًا ومربيًا ووطنيًا صادقًا، وسيبقى اسمه منقوشًا في صفحات الوفاء، وفي قلوب من تعلموا على يديه أن الدين أخلاق، وأن الوطن أمانة، وأن العلم رسالة حياة.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.






