انتحار “الولي الفقيه”: المقامرة الإيرانية على ضفاف الخليج
بقلم: أ.د. خالد سالم باوزير
الاثنين 2 مارس 2026
كنت أتابع، منذ البداية، الهجمات الإسرائيلية الأمريكية المشتركة على إيران، والتي جاءت بعد فشل سلسلة من المحادثات بين الأطراف الدولية.
يبدو أن الإسرائيليين والأمريكيين قد وصلوا إلى اتفاقٍ نهائي يقضي بضرورة تدمير القدرات الإيرانية، وعلى رأسها الصواريخ البالستية والبرنامج النووي؛ وذلك لأن وجود إيران بوضعها الراهن وطموحاتها التوسعية يمثل تهديداً وجودياً ومباشراً لإسرائيل وللدول العربية على حد سواء. وهنا نستذكر المقولة التاريخية التي تتردد في الأدبيات السياسية: “إن كره العرب في أحشاء العجم إلى يوم الدين”.
لو عدنا إلى تاريخ إيران قبل ثورة عام 1979م، وتحديداً في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، لوجدنا أنها كانت تمثل “شرطي أمريكا” في المنطقة، ومع ذلك كانت علاقاتها بالدول العربية تتسم بنوع من الاستقرار والود. لكن “الثورة الخمينية” قلبت الموازين رأساً على عقب؛ حيث تحولت إيران إلى دولة أيديولوجية تتمسك بمشروع توسعي، تجلى بوضوح في حرب الثماني سنوات مع العراق.
إن المتأمل في الأحداث الجارية يدرك أن إيران ساعدت الولايات المتحدة في احتلال العراق والقضاء على كيان الدولة العراقية بعد أحداث غزو الكويت وتحريرها. ومنذ ذلك الحين، شهد العراق حالة من الانفلات والدمار، حتى أصبح ساحة مفتوحة للنفوذ الأمريكي والإيراني والأحزاب الموالية لطهران. واليوم، نرى محاولات فرض الأفكار الشيعية المسيسة على المجتمعات السنية في لبنان، وسوريا، واليمن، مما أشعل فتيل النزاعات الإقليمية.
لقد توج هذا الصراع بدخول إيران في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، خاصة بعد امتلاكها تكنولوجيا الصواريخ وسعيها الحثيث للسلاح النووي. وعلى الرغم من المواجهات السابقة، إلا أن أحداث أكتوبر 2024 في غزة وما تبعها من ضربات إسرائيلية على إيران وصولاً إلى العمليات المشتركة في فبراير 2025، أدت إلى تدمير منشآت حيوية وقتل أعداد كبيرة من الكوادر الإيرانية.
وفي التصعيد الأخير بتاريخ 28 فبراير 2026، شنت إسرائيل وأمريكا ضربة قاصمة استهدفت قيادات النظام، وسط تقارير تتحدث عن مقتل العشرات من القادة الكبار. اللافت للنظر -والمثير للاستهجان- أن ردة الفعل الإيرانية تركزت على إطلاق الصواريخ والمسيرات باتجاه دول الخليج العربية المجاورة، رغم أن هذه الدول لم تسمح باستخدام قواعدها لضرب إيران.
لماذا تلجأ إيران لهذا السلوك الانتحاري؟ ولماذا تستهدف النهضة الاقتصادية لدول الخليج التي تربطها بها علاقات تجارية واجتماعية؟ إن استهداف المنشآت الاقتصادية الخليجية بحجة وجود قواعد أمريكية هو عذر واهٍ، فالقواعد الأمريكية منتشرة في تركيا (إنجرليك)، واليونان، وإيطاليا، وألمانيا، فلماذا لا توجه إيران ضرباتها هناك؟
إن هذا السلوك يؤكد صحة المقولة التي أشرنا إليها سابقاً؛ فإيران في لحظة انكسارها لا تجد عدواً سوى جيرانها العرب.
ومن هنا، يبرز حق الدول العربية في الدفاع عن نفسها بكل الإمكانيات العسكرية المتاحة. ورغم حرص دول الخليج على عدم توسعة رقعة الحرب، إلا أن إيران اختارت مسار “الانتحار” السياسي والعسكري، ولم يسلم من غدرها حتى “دولة الوساطة” سلطنة عمان.
إن إيران أثبتت تاريخياً أنها تفتقر للصدق ولا يمكن الوثوق بعهودها. وإذا ما تطورت الحرب إلى إغلاق مضيق هرمز -الذي يمر عبره خمس مصادر الطاقة العالمية- فإن العالم لن يقف متفرجاً، وسيكون سقوط النظام نتيجة حتمية.
لكن، ماذا بعد السقوط؟
هذا السؤال سيكون محور مقالي القادم بإذن الله.






