لماذا أصبح التواصل أسهل وأعمق شعورًا بالوحدة؟
بقلم / رجاء حمود الإرياني
مفارقة تفرض نفسها في زمنٍ اختصرت فيه التكنولوجيا المسافات، لكنها لم تختصر المسافة بين إنسانٍ وآخر كما كنا نتوقع. اليوم نستطيع الوصول إلى أي شخص تقريبًا خلال ثوانٍ، نتبادل الرسائل والصور والمكالمات المرئية بلا عناء، ونحمل العالم في هواتفنا الصغيرة. ومع ذلك، تشير تقارير دولية، إلى أن الشعور بالوحدة يتزايد عالميًا، حتى بين الفئات الأكثر اتصالًا بالآخرين عبر المنصات الرقمية.
السبب لا يعود إلى قلة التواصل، بل إلى تحوّل طبيعته. فقد أصبح التواصل سريعًا ومكثفًا، لكنه في كثير من الأحيان يفتقر إلى العمق. نشارك تفاصيل يومنا بلحظة بلحظة، نعلّق على الأخبار، ونتفاعل مع الصور، غير أن هذا التدفق المستمر لا يضمن فهمًا حقيقيًا أو قربًا عاطفيًا. الكلمات المختصرة والرموز التعبيرية تختزل مشاعر معقدة، والحوارات الطويلة تحولت إلى رسائل متقطعة يطغى عليها الاستعجال.
إضافة إلى ذلك، يعرض العالم الرقمي صورًا منتقاة بعناية من حياة الآخرين. نرى لحظات النجاح والسعادة والإنجاز، بينما تبقى لحظات الشك والتعب والضعف خارج المشهد. ومع تكرار المقارنة، يتسلل شعور خفي بالعزلة: الجميع يبدو بخير، بينما يعيش الفرد صراعاته اليومية بعيدًا عن الأضواء. هذا التباين بين الصورة المعروضة والواقع الشخصي يوسع الفجوة النفسية، ويجعل الإنسان يشعر أنه وحده في معاناته.
كما أن سهولة الوصول خلقت توقعًا دائمًا بالحضور. أصبح الرد الفوري معيارًا للاهتمام، والانشغال يُفسَّر أحيانًا كبرود. في هذا المناخ، يتحول التواصل إلى التزام يومي مرهق، يفقد شيئًا من عفويته ودفئه. وفي المقابل، تراجعت اللقاءات المباشرة التي كانت تمنح العلاقات عمقها الطبيعي؛ جلسات عائلية طويلة، أحاديث وجهاً لوجه، لحظات صمت مشتركة لا تحتاج إلى شرح.
لا يمكن تحميل التكنولوجيا وحدها مسؤولية هذا التحول، فهي أداة قرّبت البعيد وفتحت آفاقًا للتعارف والتعلم والدعم. غير أن استخدامها المفرط، واستبدالها الكامل بالتواصل الإنساني المباشر، ساهما في إضعاف الروابط العميقة. فالقرب الحقيقي لا يُقاس بعدد الرسائل أو المتابعين، بل بوجود من يصغي بإخلاص، ويفهم دون استعجال، ويشاركنا حضورًا إنسانيًا كاملًا.
في النهاية، لم تعد المشكلة في القدرة على الوصول إلى الآخرين، بل في قدرتنا على الوصول إليهم بصدق وعمق. لقد أصبح الاتصال أسهل من أي وقت مضى، لكن الحفاظ على المعنى داخله هو التحدي الحقيقي. وبين كثافة الإشعارات وضجيج العالم الرقمي، يبقى السؤال مفتوحًا: كيف نعيد للتواصل إنسانيته، ونحوّل هذا القرب التقني إلى قربٍ حقيقي يخفف وطأة الوحدة بدل أن يعمّقها؟






