اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

موائدنا في رمضان ..  بين الكرم المشروع والتبذير المذموم

موائدنا في رمضان ..  بين الكرم المشروع والتبذير المذموم

بقلم/ أ. علي عباس بن طالب
الخميس 23/ فبراير/2026م.

*▪️مع حلول وقت الإفطار، يسعى الكثيرون لإعداد موائد غنية بالأطباق المتنوعة، لكن علينا أن نفرّق بين الكرم والإسراف. فالإفراط في إعداد الطعام يؤدي إلى التبذير ورمي الفائض، بينما يمكن استغلاله في إطعام المحتاجين أو حفظه لاستخدام لاحق.*

الكرم المشروع أن تطعم جائعًا، أن تفرح ضيفًا، أن تفتح بيتك لعابر سبيل، أن تشارك الفقير قبل أن تشارك صور المائدة .. أما أن تتحول الموائد إلى ساحة استعراض، وعدٍّ للأصناف، وتنافسٍ في الحلويات والمشروبات، ثم يُرمى نصف الطعام في القمامة… فذاك ليس كرمًا، بل تبذير مذموم، يُسأل عنه العبد يوم القيامة.

*تأملوا المشهد المؤلم:*
أكياس القمامة بعد الإفطار .. مليئة بنعمةٍ كان يمكن أن تسدّ رمق أسرةٍ كاملة .. *وفي نفس الحي ..* أرملةٌ تُخفي دموعها، ويتيمٌ ينتظر كسرة خبز، ومعلمٌ أنهكه الغلاء، وعاملٌ تأخر أجره، وشيخٌ يتعفف عن السؤال ، أيّ قلبٍ يحتمل هذه المفارقة؟! أيّ ضميرٍ يرضى أن تُهان النعمة أمام أعين المحتاجين؟!

*يا من وسّع الله عليكم* ليس المطلوب أن نقلل من فرحتنا برمضان، بل أن نُعيدها إلى معناها الحقيقي ، البركة ليست في كثرة الأطباق ..  بل في صدق النية، وليست في تنوع العصائر ..  بل في دمعة يتيم جففتها ، وليست في موائد عامرة .. بل في قلوب عامرة بالرحمة، *يا من بسط الله لكم الرزق* إن أردتم الكرم الحقيقي، فاجعلوا جزءًا من ميزانية المائدة سلالًا غذائية، أو صدقاتٍ خفية، أو دعمًا لمحتاجٍ تعرفونه.

*اجعلوا من فائض طعامكم حياةً لغيركم،* لا عبئًا على ضمائركم .. رمضان ليس شهر البطون المنتفخة .. بل شهر القلوب الرقيقة.

*كم ننفق في ليلةٍ واحدة على أصنافٍ لا تُمسّ؟* كم يُهدر من أرزاق كان يمكن أن يكون صدقة جارية؟ كم من مالٍ كان يمكن أن يتحول إلى سلة غذائية، أو كسوة، أو دواء، أو دينٍ يُقضى عن معسر؟

*رمضان مدرسة ضبط النفس*
فإن لم ننتصر على شهوة المعدة، فكيف ننتصر على بقية الشهوات؟ وإن لم نشعر بجوع غيرنا، فماذا تعلمنا من الصيام؟

*يا أهل البيوت ..* علموا أبناءكم أن الكرم ليس في كثرة الأصناف، بل في حسن التدبير ، علموهم أن الطعام نعمة، وأن النعمة إن لم تُشكر زالت.

*علموهم أن من صور الشكر:* ألا يُرمى منها شيء، وألا يُعدّ منها إلا بقدر الحاجة، وألا يُنسى منها نصيب الفقير.

*فلنجعل موائدنا شاهدة لنا لا علينا،* ولنحوّل فائض أموالنا إلى صدقات خفية، وفائض طعامنا إلى عطاء كريم، وفائض قدرتنا إلى يدٍ تمتد للمحتاجين.

*أفي شهر المواساة،* تُمدّ الموائد حتى تعجز عنها الأيدي، ثم تُحمل بقاياها إلى حاويات القمامة وكأنها لم تكن نعمة من رب العالمين؟!

*رمضان ليس شهر أطباقٍ متخمة،* ولا سباقًا في عدد الأصناف، ولا مفاخرةً باللحوم والحلويات والمشروبات .. رمضان مدرسة تربية، وميدان تهذيب، ومحراب زهد، وموسم إحسان.

*لقد علّمنا نبينا ﷺ* أن «ما ملأ آدمي وعاءً شرًا من بطنه»، وجاء القرآن صارخًا بالميزان العادل: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ الآية .. هكذا جاء الأمر في كتاب الله ، ليضع حدًا فاصلًا بين الكرم المشروع والتبذير المذموم .. فكيف نغفل عن هذا التوجيه الإلهي ونرمي الطعام بينما هناك جائعون لا يجدون لقمة تسدّ جوعهم؟

*أيها الصائمون ..* الكرم أن تُطعم جائعًا، أن تُدخل السرور على فقير، أن تفتح بابك لعابر سبيل .. أما أن تُعدّ من الطعام ما يفوق الحاجة أضعافًا، ثم يُرمى نصفه في القمامة، فذلك ليس كرمًا ..  بل إسراف يُحاسَب عليه العبد، ونعمة تُكفر عمليًا حين لا تُصان.

*يحلّ رمضان شهر الخير والبركة،* لكنه للأسف يتحوّل عند البعض إلى موسمٍ للإسراف والتبذير، خاصةً في موائد الإفطار التي تعجّ بأصناف الطعام التي يفوق استهلاكها الحاجة، لينتهي جزء كبير منها في القمامة!

*الإفطار نعمة يجب أن نقابلها بالشكر،* وليس بالتبذير. لنحرص على إعداد ما نحتاجه فقط، ونشارك الفائض مع الفقراء والمحتاجين. فالتوازن والاعتدال في الطعام ليس حرمانًا، بل عبادة تقربنا إلى الله، وتحفظ أرزاقنا من الضياع.

*يا أهل الوعي ..* تذكروا أن البركة ليست في كثرة الأصناف، بل في صدق النية وحسن التدبير ، كم من مائدة بسيطة بارك الله فيها فأشبعت وأرضت .. وكم من مائدة مترفة نزعت منها البركة فكانت عبئًا على صاحبها .. رمضان شهر الاقتصاد في الدنيا، والإكثار في الآخرة.

*شهر نقول فيه لشهواتنا:* كفى ، *ولأيدينا:* أعطِ أكثر مما تأخذ، *ولقلوبنا:* اشعري بآلام الآخرين ، فلنراجع حساباتنا قبل أن نراجع فواتيرنا .. ولنحسب ما يُهدر من طعام في بيوتنا خلال شهر واحد .. كم أسرة كان يكفي؟ كم يتيمًا كان يسعد؟ كم طالب علم كان يعين؟

*اجعلوا من فائض طعامكم حياةً لغيركم،* لا عبئًا على ضمائركم .. رمضان ليس شهر البطون المنتفخة .. بل شهر القلوب الرقيقة.

*فيا رب ..* كما رزقتنا فأكرمتنا، لا تجعلنا من المسرفين .. اللهم بارك لنا في أرزاقنا، وأعنّا على شكر نعمك، واجعل موائدنا شاهدة لنا لا علينا.

*كونوا كرماء بلا إسراف .. رحماء بلا تبذير .. فذلك هو الكرم الذي يرضي الله، ويُبقي للنعمة بقاءها.*

إغلاق