هل سرقت الشاشات بركة اللقاء الرمضاني؟
بقلم / م. اشرف حيمد قفزان
الثلاثاء 24 فبراير 2026
يعود رمضان، وتعود معه رائحة القهوة والبخور، وتُفتح الأبواب لاستقبال الأهل والأحبة في تقليدٍ عريق يُسمى “لم الشمل”. ولكن، خلف هذا المشهد الدافئ، تسلل ضيفٌ بارد سرق من المجالس بهجتها، وحوّل “صلة الرحم” إلى مجرد حضور فيزيائي خالٍ من الروح. إنه “الجوال” الذي جعل كل فرد منا يعيش في شرنقته الخاصة وسط زحام العائلة.
في غرف المعيشة اليوم، تكتمل الصفوف وتُوضع الموائد، ولكن يسود صمتٌ غريب، يقطعه فقط رنين الإشعارات أو ضحكات باهتة لردود أفعال على مقاطع فيديو. الأجساد متجاورة، لكن العقول في قارات رقمية بعيدة. الأب يبحث في الأخبار، والأبناء يغرقون في عوالم الألعاب الافتراضية، والأقارب يتبادلون الرسائل مع أشخاص خارج الغرفة، بينما الشخص الجالس بجانبهم ينتظر كلمة أو نظرة اهتمام.
إن الهدف الجوهري من اجتماعات رمضان ليس مجرد تناول الطعام، بل هو “الأُلفة” وتفقد الأحوال وتقوية الأواصر التي أضعفتها مشاغل الحياة طوال العام. عندما نحضر بهواتفنا ونغيب بقلوبنا، فنحن لا نصل أرحامنا، بل نؤدي واجباً شكلياً يفتقر إلى المودة والرحمة التي أمرنا بها الدين الحنيف. هذا الانشغال يرسل رسالة غير مباشرة للآخرين مفادها: “عالمي الافتراضي أهم من وجودي معكم”.
إن استعادة روحانية اللمة تتطلب شجاعة اجتماعية وقراراً واعياً من كبار العائلة وشبابها على حد سواء. لسنا بحاجة لإعلان الحرب على التكنولوجيا، بل نحن بحاجة إلى “هدنة” وقت اللقاء. إن تخصيص “صندوق للودائع الرقمية” عند باب المجلس، أو الاتفاق على ساعة حوارية تخلو من الهواتف، ليس تقييداً للحرية، بل هو تحرير للعلاقات الإنسانية من قيود الخوارزميات.
رمضان أيام معدودات، واللحظات التي نقضيها مع كبارنا وأهلنا لا تُعوض بمشاهدة “ترند” أو تصفح صور. لنترك هواتفنا جانباً، ولننظر في أعين بعضنا البعض، ولنسمع حكايا الاجداد وضحكات الأطفال؛ فهذه هي الروحانية الحقيقية، وهذه هي “اللمة” التي تستحق أن نحتفي بها.






