القِربة والمِسرفة.. نبض الذاكرة الحضرمية وروح المائدة الرمضانية
تاربة_اليوم / خاص
تقرير : اكرم النهدي
24 فبراير 2026
في أزقة حضرموت، وبين مدن الساحل الممتدة على بحر العرب وقرى الوادي والصحراء، لا تزال “القِربة” و“المِسرفة” حاضرتين في تفاصيل الحياة اليومية، خصوصًا مع حلول شهر رمضان المبارك، حيث تستعيد الأسر الحضرمية ملامح الماضي الجميل وتحيي عادات متجذرة في عمق التاريخ.
*القِربة.. برودة الماء من عبق التراث*
تُعد القِربة واحدة من أقدم الأدوات المنزلية المستخدمة لحفظ مياه الشرب، وهي وعاء مصنوع غالبًا من جلد الماعز، عُرف بقدرته الطبيعية على تبريد الماء والحفاظ عليه نقيًا وصالحًا للشرب، حتى في أشد أوقات الصيف حرارة.
وفي شهر رمضان، تزداد مكانة القِربة داخل البيوت الحضرمية، إذ يحرص الكثير من المواطنين في الساحل والوادي على شرب الماء منها وقت الإفطار، لما تمنحه من مذاق مميز وبرودة طبيعية لا تضاهيها وسائل التبريد الحديثة.
ويؤكد كبار السن أن “ماء القِربة” له نكهة خاصة، ويرتبط بذكريات الطفولة والتجمعات العائلية حول مائدة الإفطار.
*المِسرفة.. هوية المائدة الرمضانية*
أما “المِسرفة”، فهي قطعة تقليدية تُفرش على الأرض لتكون أساسًا لسفرة الطعام، وتعكس روح البساطة والألفة التي تميز المجتمع الحضرمي. وتتحول المسرفة في رمضان إلى مساحة دافئة تجمع أفراد الأسرة حول أطباق المأكولات الشعبية التاريخية، في مشهد تتعانق فيه الروحانية مع التراث.
وتحرص كثير من الأسر الحضرمية العريقة، التي تمتد جذورها في أعماق التاريخ، على إبقاء هذه العادة حيّة، رغم تغير أنماط الحياة ودخول الموائد الحديثة.
فالمسرفة ليست مجرد أداة منزلية، بل رمز للتكاتف الأسري والمساواة، حيث يجلس الجميع على الأرض في صف واحد، يتقاسمون الطعام والدعاء والابتسامة.
*حضور متجدد في رمضان*
يشهد شهر رمضان في حضرموت عودة قوية لهذه الأدوات الشعبية، إذ تُستحضر القِربة لتقديم الماء البارد الصحي، وتُفرش المسرفة لاستقبال أطباق المأكولات الحضرمية الأصيلة التي تزين المائدة الرمضانية.
ويرى مهتمون بالتراث أن استمرار استخدام القِربة والمسرفة يعكس تمسك المجتمع الحضرمي بعاداته وتقاليده الاجتماعية القديمة، ويجسد حالة من الوفاء للماضي في ظل تسارع مظاهر الحداثة.
*بين الماضي والحاضر*
ورغم توفر الثلاجات الحديثة وطاولات الطعام العصرية، لا تزال القِربة والمِسرفة تحافظان على مكانتهما في قلوب الحضارم، خصوصًا في الوادي والصحراء والساحل، حيث تتوارث الأجيال هذه العادات جيلاً بعد جيل.
إنها ليست مجرد أدوات منزلية، بل حكاية انتماء، وعنوان أصالة، وطقس رمضاني خاص يختصر دفء الأسرة الحضرمية، ويؤكد أن بعض التفاصيل الصغيرة قادرة على حفظ هوية مجتمع بأكمله.
وفي كل رمضان، تعود القِربة لتقطر ماءً بارداً من عبق الماضي، وتُفرش المسرفة لتجمع الأحبة على مائدة واحدة، في مشهد حضرمي خالص… لا يزال نابضًا بالحياة.






