وترجّل الفاروق صديق الطفولة والشباب دون وداع –
تاربة اليوم
2026-02-24 05:40:00
وترجّل الفاروق صديق الطفولة والشباب دون وداع
الاثنين 23 فبراير 2026 – الساعة:20:40:05
( / كتب – غازي العلوي 🙂
لم يكن المساء عادياً، ولم تكن ليلةً كسائر ليالي رمضان المباركة. كان في السماء سكونٌ مهيب، وكانت القلوب مطمئنة بذكر الله، قبل أن يهبط علينا الخبر كالصاعقة، فيكسر الطمأنينة، ويزرع في الأرواح وجعاً لا يُحتمل. ترجّل الفاروق… صديق الطفولة، ورفيق الدراسة، وشريك الشباب، دون وداع.
العقيد فاروق يوسف سالم الداعري العلوي… الاسم الذي اقترن في ذاكرتنا بالشهامة، والصدق، والابتسامة التي لا تفارق محيّاه. لم يكن مجرد صديق عابر في محطات العمر، بل كان عمراً كاملاً نمشيه معاً؛ من مقاعد الدراسة الأولى، إلى ميادين الحياة الواسعة، إلى سنوات النضج والمسؤولية.
كبرنا معاً، وتقاسمنا الأحلام الصغيرة قبل الكبيرة. عرفناه شاباً طموحاً، صلب الإرادة، لا يعرف الانكسار طريقاً إلى قلبه. كان وفياً في صداقته، ثابتاً في مواقفه، حاضراً في الشدائد قبل الأفراح. إذا ضاقت بنا الأيام، كان هو السند، وإذا أثقلتنا الهموم، كان هو من يهوّنها بابتسامته وكلماته الصادقة.
مساء أمس، وفي ليلة مباركة من ليالي رمضان، اختاره الله إلى جواره إثر تماس كهربائي مفاجئ، لينتقل من دار الفناء إلى دار البقاء، عن عمر ناهز الخامسة والأربعين عاماً. خمسة وأربعون عاماً لم تكن مجرد رقم، بل كانت مسيرة عطاء، ومسؤولية، وشرف خدمة، وذكريات لا تُحصى.
رحل فجأة… دون أن يمنحنا فرصة لوداع أخير، أو كلمة أخيرة، أو نظرة أخيرة. رحل كما يعيش الكبار؛ بصمت، تاركاً خلفه أثراً لا يُمحى. وكأن القدر أراد أن تكون خاتمته في ليلة مباركة، شاهدةً على نقاء قلبه وصفاء سريرته.
أيها الفاروق… كيف نمضي في طرقات الطفولة التي عرفتك،في القشعة حاضرة بلاد العلوي ، وفي ساحات الشباب التي شهدت خطواتك، دون أن نراك؟ كيف نستعيد الذكريات دون أن يخنقنا البكاء؟ لقد كنت جزءاً من تفاصيلنا اليومية، من ضحكاتنا البريئة، من أحاديثنا الطويلة، من أحلامنا التي رسمناها معاً.
برحيلك، انكسر شيء في داخلنا لن يُجبر بسهولة. فقدنا أخاً قبل أن نفقد صديقاً، وفقدنا رفيق دربٍ قبل أن نفقد اسماً. لكن عزاءنا أن الله اختارك في شهر الرحمة، وفي ليلةٍ تُرفع فيها الأعمال وتتنزل فيها البركات، فنسأله أن يجعلها خاتمة خير، وأن يكرم نزلك، ويوسّع مدخلك، ويجعل قبرك روضةً من رياض الجنة.
نم قرير العين يا صديق الطفولة والشباب. ستبقى في القلب حيّاً، وفي الدعاء حاضراً، وفي الذاكرة نوراً لا ينطفئ. وإن ترجّلت اليوم عن صهوة الحياة، فذكراك ستبقى رايةً مرفوعة في قلوب من عرفوك وأحبوك ، خالص تعازينا ومواساتنا إلى نجلك (عبدالملك) وإلى إخوانك ياسين وعبدالحافظ وجميع آل الداعري والعلوي في ردفان .
إنا لله وإنا إليه راجعون.






