حضرموت: معضلة النصر العسكري والإخفاق في الاستثمار السياسي
بقلم / أ.د. خالد سالم باوزير
السبت 22 فبراير 2026
اطلعتُ باهتمام على ما سطره المهندس صالح المرزم في مقاله المعنون بـ “حضرموت لا تخسر معاركها ،بل تخسر استثمار انتصاراتها”، ووجدتُ فيه ملامسة حقيقية للواقع الذي يعتلج في صدر كل حضرمي غيور.
إنها الحقيقة التي تؤكد أن من واجه القوى القادمة من خارج الحدود بجيوشها وأسلحتها الثقيلة، لم يجد -للأسف- حتى كلمة شكر أو تكريماً يليق بتضحيات الشهداء الذين سطروا بدمائهم ملاحم الصمود لمنع كسر إرادة حضرموت.
ويمكن تلخيص المشهد في الآتي:
أولا: تجاهل التضحيات وتكريس التبعية :
إن السبب الرئيس وراء هذا الإجحاف يعود إلى “مجلس القيادة” الذي يرى نفسه ممثلاً للبلاد، لكنه تعمد تجاهل تضحيات الحضارم. فهل هذا التجاهل نكاية بحضرموت؟ أم أن الهدف هو إبقاؤها تحت سطوة أحزاب حكمت لعقود ولم تقدم سوى الفساد والولاء لمن يملك السلطة والموارد؟ إن ما يحدث هو استمرار لسياسة التهميش الممنهجة لضمان بقاء حضرموت في مربع التبعية والخضوع.
ثانيا: غياب المنابر الإعلامية المستقلة:
لقد تجلى الفشل في عدم قدرة السلطة على إيصال وجهة النظر الحضرمية محلياً ودولياً، وتوضيح حقيقة من تصدوا للأطماع الخارجية. ورغم الدور المشرف الذي لعبه الإعلاميون الحضارم والقنوات السعودية في كشف المخططات، إلا أننا ما زلنا نفتقر لوسيلة إعلامية حضرمية خالصة؛ تعبر عن طموحات الشعب بعيداً عن أجندات الحكام الذين يوجهون إعلامهم لمصالحهم الضيقة، متجاهلين 58 عاماً من الصراعات والانهيار الاقتصادي الذي أفرغ حضرموت من كفاءاتها ودفعهم نحو الهجرة.
ثالثا: غياب الندية في اتخاذ القرار:
بكل أسف، لم يستثمر الحضارم نصر فبراير 2026؛ لأن مفاصل القرار لا تزال بيد قوى مارست التهميش تاريخياً، وتخشى اليوم من أي تغيير يمنح حضرموت “الندية”. إنهم يدركون أن استقرار حضرموت يعني انطلاق نهضة اقتصادية واجتماعية كبرى بفضل رؤوس الأموال والخبرات الحضرمية، وهو ما يخشاه الطامعون الذين يريدون حضرموت مجرد خزان للثروة المنهوبة، لا نموذجاً متميزاً للتنمية.
رابعا: ترتيب صفوف المتربصين:
إن القوى التي هُزمت لم تستسلم، بل بدأت منذ اليوم الأول لمغادرتها في إعادة الحشد والتنظيم لكسر الإرادة الحضرمية وإعادة حضرموت إلى “بيت الطاعة”. إنهم يدركون أن أي مشروع سياسي في المنطقة لن يكتب له النجاح دون السيطرة على حضرموت بمساحتها وثرواتها؛ لذا يسعون جاهدين لتفريغ “حلف قبائل حضرموت” والقوى المسلحة في الهضبة والوادي من عناصر قوتها.
الرؤية المستقبلية:
أمام هذه التحديات، يتحتم على الحضارم اتخاذ الخطوات التالية:
الأولى:
الاستعداد الدائم:
اليقظة العسكرية والسياسية لمواجهة أي تحركات تهدف لإعادة احتلال حضرموت.
الثانية:
تعزيز التحالف مع السند السعودي:
إطلاع الأشقاء في المملكة العربية السعودية على المخططات التي تحاك، والعمل معهم على توحيد القوة العسكرية الحضرمية (النخبة وكافة التشكيلات) تحت قيادة عسكرية وسياسية واحدة وموحدة.
الثالثة:
وحدة الصف الداخلي:
على القوى السياسية الحضرمية نبذ الخلافات، ودراسة الوضع بعمق، والاتفاق على “خيار ثابت” لا رجعة عنه، وهو تحصين حضرموت من الأخطار الخارجية.
الرابعة:
تحديد الهدف السياسي:
المضي قدماً نحو انتزاع الحقوق، سواء عبر “الحكم الذاتي” أو ما يرتضيه أبناء حضرموت، وتوضيح هذه المطالب للحليف الاستراتيجي بوضوح وشجاعة.
خاتمة:
حضرموت تمتلك كل مقومات الدولة والنهضة، وما ينقصنا هو وحدة الكلمة والقرار، لنحول انتصاراتنا العسكرية إلى واقع سياسي وتنموي يليق بتاريخنا ومكانتنا.
والله من وراء القصد،،






