اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

هندسة الحافة وإعادة تشكيل المجال: قراءة استراتيجية في احتمالات التحول الإقليمي بين الردع المتراكم ومنطق الانفجار الكبير

هندسة الحافة وإعادة تشكيل المجال: قراءة استراتيجية في احتمالات التحول الإقليمي بين الردع المتراكم ومنطق الانفجار الكبير

تاربة_اليوم / كتابات واراء

بقلم: الدكتور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

21 فبراير 2026م

لم يعد الشرق الأوسط يعيش مجرد موجة تصعيد عابرة، بل يقف عند منعطف تاريخي تتداخل فيه بنية الردع المتبادل مع احتمالات إعادة تشكيل المجال الإقليمي ذاته. نحن أمام لحظة كثيفة الإشارات، تتراكم فيها الحشود العسكرية، وتتصاعد فيها اللغة الرمزية، وتتحرك فيها القطع الاستراتيجية فوق رقعة ممتدة من المضائق البحرية إلى الفضاء السيبراني، دون أن يُعلن أحد قرار الحرب صراحة، ودون أن يملك أحد أيضًا ضمانة منعها بصورة مطلقة.
اللافت في المشهد الراهن ليس مجرد ارتفاع منسوب التوتر، بل التحول في طبيعة إدارته. فالتصعيد لم يعد انفعالًا، بل أصبح أداة تفاوض، والانتشار العسكري لم يعد استعدادًا خالصًا للقتال، بل رسالة متعددة الطبقات. إننا أمام نمط متقدم من (هندسة الحافة)، حيث يُدفع الصراع إلى أقصى مدى ممكن دون تجاوز العتبة التي تُسقط الجميع في فراغ استراتيجي غير محسوب. غير أن هذه الهندسة – مهما بلغت دقتها – تبقى عرضة لخلل إدراكي بسيط قد يحول الرسالة المحدودة إلى إشارة مفتوحة.
في هذا السياق، تتكاثر المؤشرات على أن الإقليم دخل منطقة رمادية كثيفة، يختلط فيها الردع بالاختبار، والضغط بالتحضير، والتفاوض بإعادة التموضع. القوى الكبرى تبدو وكأنها تقترب من سقف القدرة القصوى دون أن تتراجع خطوة متزامنة، ما يخلق احتمال الانزلاق بوصفه نتيجة تراكب إشارات لا قرارًا إراديًا مباشرًا. والسؤال الاستراتيجي لم يعد: هل يريد الفاعلون الحرب؟ بل: هل يستطيعون منعها إذا تشابكت المسارات على نحو يفلت من السيطرة؟
السيناريو التقليدي لحرب خطية بين طرفين محددين لم يعد الأكثر ترجيحًا. الاحتمال الأخطر يتمثل في اتساع دائرة الاشتباك ضمن شبكة متعددة العقد، حيث تتحول الساحات الطرفية إلى مفاصل ميدانية، وتغدو الممرات البحرية عتبات سيادية، وتتحول الجغرافيا من مساحة عبور إلى مساحة اختبار إرادات. في مثل هذا المشهد، لا تتغير الخرائط فقط، بل تتغير وظائفها؛ فالميناء يصبح ورقة ردع، والمضيق يتحول إلى معادلة، والساحل يغدو رسالة.
إذا وقع الانفجار – أو حتى اقترب – فلن يكون مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة إعادة توزيع للأدوار الإقليمية. بعض الفاعلين الذين يستمدون قوتهم من تماسهم مع محور الاشتباك قد ترتفع قيمتهم التكتيكية سريعًا، لكنهم يقتربون في الوقت ذاته من خط الاستهداف المباشر. في المقابل، قد تميل قوى أخرى إلى الاحتماء بترتيبات أوسع تمنحها صلابة ظرفية مقابل تقليص هامش القرار الذاتي. وهنا تكمن المفارقة: الصعود التكتيكي قد يحمل في داخله بذرة الانكشاف الاستراتيجي.
أما في الفضاء الخليجي، فإن المعادلة أكثر حساسية. فالدول الواقعة على تماس الممرات الحيوية تدرك أن بنيتها الاقتصادية تجعلها في قلب أي اضطراب واسع. غير أن هذه الدول لم تعد كما كانت قبل عقد؛ فقد طورت أو قل: أدخلت منظومات دفاعية متقدمة، ونوعت شراكاتها، وفتحت قنوات تهدئة موازية لتقليل احتمالات الاستهداف. ومع ذلك، فإن أي خلل واسع في بيئة الردع سيضع البنية التحتية الحيوية – النفطية واللوجستية والمالية – ضمن حسابات الضغط المتبادل، ما يعني أن الأمن الاقتصادي سيصبح جزءًا من معادلة الردع نفسها، لا نتيجة لها فقط.
اليمن، في هذا السياق، يمثل عقدة جغرافية ذات وزن رمزي وعملي في آنٍ واحد. فهو ليس مركز القرار الإقليمي، لكنه قد يصبح مركز الإشارة. الممرات القريبة منه ليست مجرد خطوط عبور، بل مؤشرات توازن. وإذا ارتفع الإيقاع الإقليمي، فإن القوى المحلية ستجد نفسها أمام إعادة تعريف لوظيفتها: من أطراف داخل نزاع متعدد الطبقات إلى عناصر ضمن شبكة ردع أوسع. بعض القوى قد تتقدم خطوة بفعل تماسها مع خطوط الملاحة، وأخرى قد تتراجع بفعل تبدل الأولويات الدولية. وفي كل الأحوال، فإن الداخل سيعاد تشكيله تبعًا لإيقاع الخارج، ولو بصمت.
التحول الأعمق المحتمل لا يكمن في اندلاع مواجهة محدودة، بل في إمكانية تغير قواعد اللعبة نفسها. فإذا تجاوز التوتر سقف الضبط، فقد نشهد إعادة رسم غير معلنة للنفوذ، وتبدل مواقع القوى، واختفاء فاعلين كانوا جزءًا من المشهد، وصعود آخرين لم يكونوا في الواجهة. عندها لن تكون المسألة حربًا بقدر ما ستكون لحظة تأسيس لواقع جديد في عالم جديد؛ واقع تعاد فيه صياغة مفاهيم السيادة، وتختبر فيه حدود الردع، وتعاد فيه قراءة معنى التحالف والحياد.
الأخطر في هذا المسار أن الحياد ذاته قد يصبح مكلفًا، وأن المساحات الرمادية التي أتاحت المناورة لسنوات قد تتقلص لصالح ثنائية اصطفاف أكثر صلابة. ومع كل درجة تصعيد، تتآكل مرونة التوازنات، وتتحول التحالفات من أدوات ضغط إلى التزامات وجودية. هنا لا يعود السؤال عن شكل المواجهة، بل عن شكل النظام الإقليمي الذي سيولد بعدها.
ومع ذلك، فإن مؤشرات عديدة لا تزال ترجح استمرار نمط (التوتر المضبوط)، حيث تقترب الأطراف من الحافة دون القفز. فالجميع يدرك أن الانفجار الكامل سيطلق ديناميات لا يمكن التحكم في اتجاهها النهائي، وقد يعيد تشكيل الإقليم بطرق لا تخدم أيًا من الفاعلين بصورة كاملة. غير أن إدراك المخاطر لا يمنع دائمًا حدوثها؛ فالتاريخ مليء بلحظات أُسيء فيها تقدير الإشارات، فتحولت الرسائل المحدودة إلى سلاسل لا يمكن إيقافها بسهولة.
إن المنطقة تعيش اليوم فضاء (الاختبار المستمر): اختبار حدود القوة، اختبار صلابة التحالفات، اختبار قدرة الساحات الطرفية على التحمل. وبين الردع والانفجار، تتشكل ملامح مرحلة انتقالية قد تطول، لكنها لا تخلو من احتمالات التحول المفاجئ.
أن الشرق الأوسط يقف عند تخوم إعادة تشكيل محتملة، حيث تتعايش هندسة التوتر مع احتمالات كسرها، ويتجاور الردع المتراكم مع منطق الانفجار الكبير. النار حاضرة لكنها مضبوطة، والتفاوض قائم لكنه مسلح، والانتشار العسكري رسالة استراتيجية بقدر ما هو استعداد. غير أن الحافة، مهما أُديرت بعقل بارد، تظل حافة.
وفي مثل هذه اللحظات، لا تتحدد براعة الفاعلين بقدرتهم على التصعيد، بل بقدرتهم على إدارة المسافة بين الشرارة والتحول، قبل أن تتحول الشرارة إلى خرائط جديدة.
ربي زدني علمًا، وارزقني فهمًا، والحقني بالصالحين.

إغلاق