اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الدبلوماسية الحضرمية الضائعة

الدبلوماسية الحضرمية الضائعة

بقلم | خالد عمر باجبير
الخميس 19 فبراير 2026

حين نفتح تاريخ حضرموت، لا نقرأ صفحات منسية ولا سردًا محليًا محدود الأثر، بل نواجه تجربة حضارية متكاملة صنعت لنفسها نفوذًا واسعًا دون دولة مركزية ولا جيوش توسعية. كانت حضرموت، عبر تجارتها وموانئها وهجراتها، تمارس شكلًا متقدمًا من الدبلوماسية الناعمة، جعلها حلقة وصل بين شرق آسيا وشرق أفريقيا والحجاز والشام، وحوّل أبناءها إلى وسطاء ثقافة وتجارة وعلم، قبل أن يكونوا مجرد مهاجرين يبحثون عن الرزق.

لقد أدّت الموانئ الحضرمية مثل الشحر وقنا والمكلا دورًا سياسيًا غير معلن، إذ لم تكن مجرد منافذ تجارية، بل فضاءات نفوذ وتأثير، تَشَكَّل فيها وعي حضرمي منفتح يرى في العالم امتدادًا لا خصمًا. كما أن الهجرة الحضرمية لم تكن حركة فردية معزولة، بل مشروعًا اجتماعيًا ودينيًا طويل الأمد، حمل فيه العلماء والتجار والدعاة رسالة إسلامية معتدلة، وصاغوا حضورًا أخلاقيًا وثقافيًا جعل الحضارمة سفراء لأرضهم دون أن يحملوا هذا اللقب رسميًا.

غير أن هذا الدور بدأ يتآكل حين فقدت حضرموت وحدتها السياسية والرمزية. فمع توالي الأنظمة المركزية، وتشظّي القرار المحلي، تحولت السياسة من أداة تنظيم وحماية للهوية إلى عامل انقسام واستنزاف. تفككت الأحزاب قبل أن تتشكل مشاريعها، وتنازعت الطوائف بدل أن تكون إطارًا جامعًا، وغابت السردية الحضرمية الموحدة لصالح انتماءات ضيقة تستمد شرعيتها من الخارج أكثر مما تستمدها من الداخل.
وهنا يكمن جوهر الأزمة: لم تضعف الدبلوماسية الحضرمية بسبب غياب التاريخ أو الموارد أو الامتداد البشري، بل بسبب عجز السياسة عن توحيد نفسها. فحين يعجز الداخل عن الاتفاق على تعريف ذاته، يصبح الخارج هو المرجعية، وتتحول العلاقات الإقليمية من شراكات متكافئة إلى ارتهان سياسي، ومن تأثير ناعم إلى تبعية صامتة.

ورغم أن الجاليات الحضرمية المنتشرة في الخليج وشرق آسيا وشرق أفريقيا ما تزال فاعلة اقتصاديًا، ومؤثرة ثقافيًا، وحاضرة دينيًا، إلا أن هذا الحضور ظل بلا إطار سياسي جامع يحوله إلى قوة دبلوماسية حقيقية. قوة بلا قرار، وتأثير بلا تمثيل، وامتداد بلا صوت موحد، جعلت حضرموت حاضرة في الأسواق والمنابر وغائبة عن طاولات القرار.

إن استعادة الدبلوماسية الحضرمية لا يمكن أن تبدأ من الخارج، ولا تُبنى عبر الاتفاقيات وحدها، بل تنطلق أولًا من الداخل: من إعادة توحيد الوعي السياسي، وتجاوز الانقسامات الحزبية والطائفية، وبناء مشروع حضرمي جامع يرى في السياسة امتدادًا للأخلاق التاريخية التي حكمت سلوك الحضارمة قرونًا؛ من الاعتدال، والحكمة، والانفتاح المتوازن. كما تتطلب هذه الاستعادة تفعيل الجاليات الحضرمية لا كقوى مالية فحسب، بل كمنصات اقتصادية وثقافية ودبلوماسية واعية، وتأهيل جيل جديد يمتلك الهوية الحضرمية ويجيد أدوات العمل السياسي المعاصر دون ارتهان أو تبعية.

وليست الدبلوماسية الحضرمية مجرد سفارات تُفتح أو بيانات تُوقّع، بل قدرة شعب على صيانة هويته، وتنظيم تنوعه، وتحويل إرثه إلى قوة تأثير. وحضرموت التي أنجبت العلماء والتجار والأدباء وقادة الفكر قادرة على استعادة بريقها متى ما أعادت اكتشاف جوهرها الحقيقي؛ جوهر يرى في العالم شبكة جسور لا ساحة صراع، وفي السياسة عقلًا جامعًا لا سلاح انقسام. فإحياء الدبلوماسية الحضرمية ليس حنينًا إلى الماضي، بل استثمار واعٍ في مستقبل يليق بثراء هذه الأرض وأهلها.

إغلاق