اليمن إلى أين؟ رسالة صادقة إلى شعب أنهكته المعاناة
بقلم / م. وليد مبارك الصبان
مسقط – سلطنة عمان
الثلاثاء 17 فبراير 2026م
أستحلفكم بالله أن تُنصتوا إلى هذه الكلمات لا بآذانكم وحدها، بل بقلوبكم التي وصفها خاتم الأنبياء ﷺ بأنها ألين القلوب وأرق الأفئدة.
أن تقرؤوها بهدوء، بعيدًا عن الضجيج والاصطفاف والاتهام، وأن تسألوا أنفسكم بصدق: لماذا وصلنا إلى ما نحن فيه؟ وإلى متى يستمر هذا الحال من المعاناة والفقر والمرض والجهل والقهر؟
من حولنا، تقدّمت أمم كانت قبل عقود أقل منا حظًا في الموارد والإمكانات، وبنت دولًا مستقرة، واقتصادات فاعلة، ومجتمعات تحترم الإنسان.
أما نحن، فقد تراجعنا خطوة بعد أخرى، حتى صرنا نتحسّر على ماضٍ قريب كنّا فيه أفضل حالًا مما نحن عليه اليوم. ولا أريد هنا أن أحمّل المسؤولية لغيرنا، ولا أن أفتح باب التبرير أو جلد الآخر؛ فالحقيقة المُرّة التي لا مهرب منها هي أننا نحن السبب، وبأيدينا وحدها يكون الحل.
إن بناء الأوطان لا يحتاج معجزات، ولا ثروات خيالية، ولا شعارات رنانة.
يحتاج قبل كل شيء إلى نية صادقة، وإلى إرادة واعية تؤمن بأن العمل الجاد هو الطريق الوحيد للتنمية، وأن العدالة والكفاءة يجب أن تتقدما على المحسوبية، وأن الوطن أوسع من القبيلة، وأبقى من المنطقة، وأسمى من المذهب، وأن هذه الآفات المفرِّقة كانت ولا تزال من أخطر أسباب ضعفنا وتمزّقنا.
متى نستفيق؟
متى نتعلّم من دروس الماضي القريب والبعيد، ونتوقف عن تكرار الأخطاء ذاتها بأسماء جديدة؟
نحن لا نفتقر إلى العقول، ولا تنقصنا الكفاءات، ولا نعاني من شُحّ الإمكانات بقدر ما نعاني من ضعف الإيمان بأنفسنا، ومن فقدان الثقة بقدرتنا على التغيير.
ما ينقصنا حقًا هو أن نؤمن، أولًا، بأن هذا الشعب قادر على النهوض، وأن هذه المعاناة ليست قدرًا أبديًا، وأن اليد التي هدَمت قادرة – إن صدقت – على أن تبني.
لنكتب صفحة جديدة في تاريخ هذا الوطن المعطاء؟
وطنٌ مثخن بالجراح، وشعبٌ أنهكته الحروب، لكنه ما زال متمسكًا بالحياة، وما زال يحمل في داخله قدرة مدهشة على الصبر والعطاء.
دعونا نطوي صفحة الماضي الأليم، لا بالنسيان، بل بالتعلّم؛ بعيدًا عن التخوين، وعن نبش الجراح، وعن تصفية الحسابات.
لنكن أبناء اليوم لا أسرى الأمس، نبني ولا نهدم، نُصلح ولا نُفرّق، ونتعاهد – بصدق لا بشعارات – على استعادة كرامة الوطن وخدمة شعبه.
لقد أضاعت المحسوبية والأنانية والفساد هذا البلد أكثر مما فعلت الحروب.
وأهدر استغلال حاجة الناس وفقرهم وجهلهم ما تبقى من الثقة، بينما استُخدمت العواطف والمشاعر وقودًا لشعارات ومشاريع لم تُثمر إلا مزيدًا من الانقسام.
ومع ذلك، فإن المطالبة بالحقوق، والسعي للإصلاح السياسي، وتحقيق العدالة، لا تتناقض مع البناء والتنمية، بل تتكامل معها متى ما توفرت الحكمة، وحَسُن التدبير، وغلب صوت العقل على صوت الانفعال.
تشير تقارير دولية عديدة إلى أن اليمن يمتلك طاقات بشرية شابة تشكّل أكثر من نصف المجتمع، وأن الاستثمار في التعليم، والصحة، وبناء مؤسسات الدولة، كفيل – خلال سنوات قليلة – بتغيير مسار البلد بالكامل.
لكن الأرقام وحدها لا تصنع الأوطان، ما لم تتحول إلى وعي، وإلى فعل، وإلى التزام أخلاقي تجاه هذا الشعب الذي يستحق حياة أفضل.
أكتب هذه السطور، وفي القلب حُرقة لا تخفى، وقهر على ما آل إليه حال وطنٍ كان يومًا مهد حضارة، وموطن حكمة.
أتساءل: لماذا وصلنا إلى هنا؟ وإلى متى نبقى هكذا؟
آهٍ على الأوطان…
يا غبني على مثوى الجدود.
والسلام ختام.






