اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

رمضان شهر الصيام: الاستعداد الشرعي والفرح المشروع

رمضان شهر الصيام: الاستعداد الشرعي والفرح المشروع

كتب / د. محمود علي باعباد
الثلاثاء 17 فبراير 2026

يمثل شهر رمضان المبارك محطة إيمانية كبرى في حياة الأمة الإسلامية، تتجدد فيها معاني العبودية، وتُستنهض فيها القلوب إلى الطاعة، وتُبنى فيها الروابط بين الفرد وربه، وبين الفرد ومجتمعه. وليس من منهج الإسلام أن تُستقبل هذه المواسم العظيمة على غفلة أو ارتجال، بل شُرع للمسلمين أن يتهيؤوا لها علمًا وعملًا وفرحًا، تعظيمًا لشعائر الله، واغتنامًا لبركات الأزمنة الفاضلة.

أولًا: التبشير بقدوم رمضان في السنة النبوية

ثبت في السنة النبوية أن رسول الله ﷺ كان يُبشِّر أصحابه بقدوم شهر رمضان، ويُعظِّم شأنه، ويُظهر فضله، إعدادًا للنفوس، وتحفيزًا على الاجتهاد. ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«أتاكم رمضان، شهرٌ عظيم، شهرٌ مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تُفتح فيه أبواب الجنة، وتُغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغلّ فيه مردة الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر».
وهذا الحديث أصلٌ واضح في مشروعية التبشير بقدوم رمضان، وبيان فضله قبل دخوله، لما لذلك من أثر بالغ في استعداد القلوب وتعظيم الشعائر. وقد قرر العلماء أن هذا التبشير ليس مجرد خبر، بل هو توجيه تربوي يُنمِّي الشوق، ويوقظ الهمم، ويبعث على المبادرة بالطاعة.
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله:
“كان النبي ﷺ يُبشِّر أصحابه بقدوم رمضان، لما فيه من الخيرات، ولحثهم على اغتنامه.”
ثانيًا: الفرح برمضان وتعظيم شعائر الله
الفرح بقدوم رمضان ليس أمرًا عاطفيًا مجردًا، بل هو عبادة قلبية، تدخل في تعظيم شعائر الله، قال تعالى:
{ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32].
وقد درج السلف الصالح على إظهار السرور بقدوم رمضان، والدعاء ببلوغه، وكانوا يعدّونه نعمة عظيمة من الله تعالى. قال معلى بن الفضل رحمه الله:
“كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم.”
وهذا يدل على أن استقبال رمضان بالفرح والاهتمام ليس من المحدثات، بل هو من الهدي العملي للسلف الصالح.
ثالثًا: استحباب التهنئة بقدوم

رمضان وعمل المسلمين بها
من مظاهر الفرح المشروع بقدوم رمضان التهنئة بالشهر الكريم، وقد جرى عمل المسلمين بذلك في مختلف العصور والأمصار. وقد نقل غير واحد من أهل العلم أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتبادلون التهنئة بقدوم المواسم الفاضلة.
قال الإمام ابن مفلح رحمه الله:
“كان أصحاب النبي ﷺ إذا أقبل رمضان يهنئ بعضهم بعضًا بقدومه.”
والتهنئة من العادات الحسنة التي تندرج تحت مقاصد شرعية عامة، كإدخال السرور على المسلمين، والتواصي بالخير، وتقوية أواصر الأخوة. وقد قال النبي ﷺ:
«تهادوا تحابوا»
«من لا يشكر الناس لا يشكر الله».
ولهذا لم يُنكرها أهل العلم، بل رأوا فيها وسيلة مشروعة لتحقيق معانٍ إيمانية واجتماعية سامية.
رابعًا: الاستعداد العلمي قبل رمضان
الاستعداد الحقيقي لرمضان لا يكتمل إلا بطلب العلم، وقد قرر العلماء أن العلم مقدم على العمل، لا سيما في العبادات الموسمية.
ويشمل هذا الاستعداد جانبين:
التفقه في أحكام الصيام: من شروط وأركان ومبطلات ومكروهات، ليؤدي المسلم عبادته على بصيرة.
معرفة فضائل الصيام ومقاصده: لما لذلك من أثر في الإخلاص وحسن الأداء.
قال الإمام النووي رحمه الله:
“يجب على المكلف أن يتعلم من أحكام الصيام ما تصح به عبادته.”
وكان العلماء قبل رمضان يخصصون مجالس لتدريس باب الصيام من كتب الفقه المعتمدة، ويهيئون العامة والخاصة لاستقبال الشهر على علم وبصيرة.
خامسًا: رمضان بين العبادة والمجتمع
لم يكن رمضان في المجتمعات الإسلامية الأصيلة شهر عبادة فردية فحسب، بل كان موسمًا تتجلى فيه معاني الجماعة، والتكافل، والتراحم. وقد شهدت الحواضر الإسلامية – ومنها مدن حضرموت كشبام وتريم – صورًا مشرقة لهذا المعنى، حيث:
تنتشر حلقات القرآن في المساجد والبيوت.
يكثر الإفطار الجماعي وتفطير الصائمين.
تقوى صلة الأرحام، وتتوثّق العلاقات الاجتماعية.
وكل ذلك ينسجم مع مقاصد الصيام التي تهدف إلى تزكية النفس وبناء المجتمع على أسس من الرحمة والتعاون.
خاتمة
إن استقبال شهر رمضان بالتبشير والفرح، والتهنئة والاستعداد، هو مظهر من مظاهر تعظيم شعائر الله، ومنهج أصيل سار عليه النبي ﷺ وأصحابه والسلف الصالح، وتوارثته المجتمعات الإسلامية عبر القرون.
وإحياء هذه المعاني اليوم يُسهم في إعادة الاعتبار لرمضان بوصفه شهر بناء للإنسان والمجتمع، لا مجرد موسم عابر، ويعيد للأمة شيئًا من روحها الجامعة، التي تتجلى في الطاعة، والمحبة، والتكافل.

إغلاق