اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

سياسات البنك المركزي بين الاضطراب ومعاناة المواطن

سياسات البنك المركزي بين الاضطراب ومعاناة المواطن

بقلم – علي_الخلاقي

في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها اليمن، بات المواطن البسيط هو الحلقة الأضعف في سلسلة قرارات مالية تبدو – في نظر كثيرين – غير مدروسة أو بعيدة عن واقع السوق واحتياجات الناس. فالسياسات النقدية التي يتبعها البنك المركزي، خصوصًا فيما يتعلق بعمليات الاستيراد والمصارفة، أصبحت محل تساؤل واستياء واسع بين التجار والمواطنين على حد سواء.

دورة مالية مرهقة وغير مفهومة

من أكثر القضايا إثارة للجدل تلك الدورة المالية التي تبدأ بالحصول على العملة الأجنبية للاستيراد، ثم تحويلها إلى الريال اليمني، ليعاد لاحقًا تحويلها مرة أخرى إلى عملة أجنبية. هذه الحلقة المعقدة لا تبدو – في نظر المواطن – منطقية أو منتجة، بل تعكس ارتباكًا في إدارة النقد الأجنبي وتخطيطًا اقتصاديًا يفتقر إلى الرؤية الواضحة.

فبدلًا من أن تسهم هذه السياسات في استقرار السوق، أدت إلى تكدس العملات الأجنبية خارج الجهاز المصرفي، نتيجة ضعف الثقة بالبنوك التجارية. كثير من التجار يفضلون الاحتفاظ بالعملات الصعبة خارج النظام المصرفي، خوفًا من القيود أو التقلبات المفاجئة، مما ساهم في اختفاء الريال اليمني من التداول بشكل ملحوظ.

تدهور العملة وقيود المصارفة

انخفاض قيمة الريال اليمني أمام العملات الأجنبية لم يعد مجرد مؤشر اقتصادي، بل أصبح عبئًا يوميًا يثقل كاهل المواطن. ومع ذلك، ظهرت سياسات تزيد من حدة المشكلة، مثل امتناع بعض محلات الصرافة عن صرف أكثر من 100 ريال سعودي في العملية الواحدة.

هذه الإجراءات تثير تساؤلات حقيقية:
كيف يتم تجاهل شريحة واسعة من المواطنين الذين يستلمون رواتبهم أو تحويلاتهم بالريال السعودي؟ ماذا عن المغتربين الذين يرسلون أموالهم لأسرهم؟ وماذا عن التجار الذين يتعاملون بالدولار أو الريال السعودي في معاملاتهم اليومية؟

بدلًا من تسهيل حركة الأموال وضبط السوق بآليات مرنة ومدروسة، يشعر المواطن أن هذه القيود خلقت بيئة خصبة لانتعاش السوق السوداء، حيث يصبح المواطن فريسة للاستغلال والابتزاز من قبل تجار العملة غير الرسميين.

أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة نقد

المشكلة لا تكمن فقط في نقص النقد أو تذبذب سعر الصرف، بل في أزمة ثقة عميقة بين المتعاملين والنظام المصرفي. فحين يفقد التاجر ثقته في البنك، ويفضل الاحتفاظ بأمواله خارج الإطار الرسمي، فإن الاقتصاد يفقد أحد أهم ركائزه: الاستقرار والشفافية.

الاقتصاد لا يُدار بردود أفعال آنية، ولا بسياسات متغيرة تفتقر إلى الوضوح. بل يحتاج إلى رؤية استراتيجية تراعي طبيعة السوق اليمني، وواقع المغتربين، وهيكل الاستيراد، وتحديات الحرب والانقسام المالي.

المواطن بين المطرقة والسندان

اليوم يقف المواطن اليمني بين ارتفاع الأسعار من جهة، وصعوبة الحصول على العملة أو تحويلها من جهة أخرى. راتبه يفقد قيمته يومًا بعد يوم، ومدخراته تتآكل، وقدرته الشرائية تتراجع بشكل مستمر.

السؤال الذي يردده الكثيرون:
أين الخبرات الاقتصادية؟
أين الدراسات التي تسبق اتخاذ القرار؟
إلى أين يتجه هذا المسار المالي؟

إن استمرار السياسات المرتبكة دون مراجعة حقيقية قد يؤدي إلى مزيد من الانكماش، واتساع الفجوة بين الواقع الاقتصادي ومتطلبات الحياة اليومية.

الحاجة إلى مراجعة شاملة

ما يحتاجه المواطن ليس شعارات، بل سياسات واضحة، شفافة، ومدروسة بعناية. يحتاج إلى استقرار في سعر الصرف، وإلى نظام مصرفي موثوق، وإلى قرارات تراعي واقع المغتربين والتجار وصغار الكسبة.

إعادة النظر في آليات الاستيراد، وضبط سوق الصرافة، وتعزيز الثقة بالبنوك، ليست ترفًا اقتصاديًا، بل ضرورة وطنية. فاستقرار العملة هو استقرار للغذاء والدواء والرواتب والحياة بأكملها.

في النهاية، معاناة المواطن ليست أرقامًا في تقارير مالية، بل هي واقع يومي يعيشه الناس في الأسواق والمنازل وأماكن العمل. والإصلاح الاقتصادي الحقيقي يبدأ حين تكون مصلحة المواطن واستقراره هي البوصلة الأولى لكل قرار.

إغلاق