اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الأحزاب المستوردة… حين تُدار أوطاننا بوصفة غربية جاهزة

الأحزاب المستوردة… حين تُدار أوطاننا بوصفة غربية جاهزة

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
12 فبراير 2026
لم تكن مأساة العالم العربي يومًا في “غياب السياسة”، بل في نوع السياسة التي فُرضت عليه.
ولم تكن كارثته في نقص الوعي، بل في فائض النماذج المستوردة التي قُدِّمت له على أنها حقائق كونية لا تقبل النقاش.

ما سُمّي بـ“الأحزاب السياسية” في عالمنا العربي لم يكن ثمرة تطوّر طبيعي، ولا نتاج مخاض اجتماعي أصيل، بل كان طبخة غربية مُعلّبة أُعدّت في مطابخ بعيدة، ثم سُوِّقت لنا تحت مسميات براقة:
الديمقراطية، حقوق الإنسان، التعددية، المجتمع المدني، التداول السلمي للسلطة…
شعارات جميلة على الورق، لكنها في واقعنا تحوّلت إلى أدوات تفكيك لا أدوات بناء.

الحقيقة التي يتهرّب منها كثيرون أن الغرب لم يصدّر لنا هذا النموذج حبًا في نهضتنا، بل لأنه يخدم مصالحه.
أحزاب متصارعة تعني دولة ضعيفة.
مجتمع منقسم يعني قرارًا سياديًا مخترقًا.
وفوضى سياسية دائمة تعني هيمنة خارجية سهلة.
هكذا تتحقق الفوضى باسم “الحرية”، ويُهدم الاستقرار باسم “الديمقراطية”.

المشكلة أن الأرضية العربية لم تكن مهيأة لهذا الاستنساخ الأعمى.
نحن مجتمع ذو بنية تاريخية واجتماعية مختلفة: قبائل، روابط عائلية، تراتبية تقليدية، ودولة مركزية كانت دائمًا هي الضامن للاستقرار.
وحين فُرضت الأحزاب، لم تُصلح هذه البنية بل فجّرتها؛ حوّلت العصبية إلى أيديولوجيا، والاختلاف إلى حرب، والمنافسة إلى صراع وجودي.

في الغرب، وُلدت الأحزاب بعد اكتمال الدولة وترسّخ القانون واستقرار الشرعية.
أما في عالمنا العربي، فقد جاء الحزب قبل الدولة، وقبل القانون، وقبل الاستقرار.
والنتيجة الطبيعية: حزب يبتلع الدولة بدل أن يخدمها، وتنظيم يعلو على الوطن بدل أن يحميه.

ثم جاءت المنظمات الدولية والتمويل الخارجي لتكريس هذا العبث؛
برامج تدريب، تقارير جاهزة، مؤشرات “ديمقراطية” مصممة في عواصم أخرى، لا علاقة لها بحاجات المواطن ولا بواقع المجتمعات.
أصبح معيار النجاح ليس قوة الدولة ولا أمن المواطن، بل مدى رضا العواصم الغربية والتصنيفات الدولية.

ثقافيًا، لم تُنتج هذه الأحزاب وحدة، بل انقسامًا.
لم تُنظّم الاختلاف، بل فجّرته.
تتحدث عن الحرية لكنها لا تحتمل رأيًا مخالفًا.
تدّعي العمل للدولة لكنها تتحرك بمنطق الجماعة.
وهذا التناقض بين الخطاب والممارسة هو أسرع طريق لفقدان الشرعية.

لنكن واضحين:
لسنا ضد التنظيم السياسي ولا ضد المشاركة العامة.
لكننا ضد استنساخ نماذج لا تنتمي لبيئتنا ولا تناسب تاريخنا ولا تخدم أمننا الوطني.

الأولوية ليست للحزب، بل للدولة.
ليست للشعار، بل للقانون.
ليست للواجهة، بل للمؤسسات.

من دون دولة قوية، وقانون نافذ، وثقافة تقبل الخسارة من دون انهيار… ستبقى الأحزاب في العالم العربي كيانات صاخبة بلا مضمون،
عدوانية حين تحكم، ومدمّرة حين تسقط.

وعندها لن تكون المشكلة في “السياسة”،
بل في الكذبة التي فُرضت علينا باسمها.

المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع

إغلاق