رمضان.. محطة سنوية لترميم الذات وجسر لتعزيز الروابط
بقلم / رجاء حمود الإرياني
يطل علينا شهر رمضان المبارك في كل عام كأنه واحة إيمانية كبرى في قلب صحراء الحياة المادية الموحشة، فهو ليس مجرد توقيت زمني عابر للامتناع عن الطعام والشراب، بل هو فلسفة ربانية متكاملة تهدف إلى إعادة صياغة الإنسان من الداخل وترميم ما أفسدته صراعات الأيام في نفسه وفي علاقاته بالآخرين. تبدأ هذه الرحلة الروحية من تلك النية الخالصة التي تعقدها القلوب في جوف الليل، حيث يتحول الامتناع الجسدي إلى ترويض إرادي عميق للنفس البشرية، يُعلم الصائم من خلاله أن القوة الحقيقية لا تكمن في الانقياد خلف الرغبات بل في القدرة على التحكم بها وتوجيهها، وهي الغاية الأسمى التي لخصها البيان الإلهي في تحقيق “التقوى” بوصفها حالة من اليقظة الدائمة للضمير وسمواً بالروح فوق متطلبات الطين. ومن هذا المنطلق الديني المتين، يمتد أثر الصيام لينسج شبكة اجتماعية من طراز فريد، إذ ينصهر المجتمع بأسره بمختلف فئاته وطبقاته في إيقاع يومي واحد، مما يؤدي إلى تذويب الفوارق المادية وتجسير الفجوات بين الغني والفقير، فعندما يذوق الجميع مرارة الجوع وعطش الهجير، تستيقظ في النفوس كوامن الرحمة وتتحول المعاناة الفردية إلى شعور جماعي بالآخر، فتتحول المدن والقرى إلى خلايا نحل تعمل من أجل التكافل، حيث نجد الأيدي تمتد بالعطاء دون منّ، والقلوب تفيض بالحب دون انتظار مقابل، في صورة تتجلى فيها أسمى معاني الإنسانية التي دعا إليها الإسلام. إن رمضان يفرض في أيامه صلحاً اجتماعياً شاملاً، حيث تسكن النفوس وتصفو السرائر، وتجتمع العائلات التي فرقتها مشاغل الحياة وتحدياتها حول موائد الإفطار التي لا تقدم الطعام فحسب، بل تقدم الدفء والحنان وتعيد ترميم الروابط الأسرية التي قد تكون قد تصدعت بفعل التباعد الرقمي والانغماس في العمل. وتتحول العبادة في هذا الشهر الفضيل من طقوس فردية تؤدى في زوايا المساجد إلى حالة جماعية من السكينة التي تنعكس في سلوكيات الناس بالشارع، وفي صبرهم على الشدائد، وتسامحهم مع من أساء إليهم، تطبيقاً للمنهج النبوي الذي جعل من الصيام جنة ووقاية من لغو القول وفحش الفعل. ومع مرور أيام الشهر، نلاحظ كيف تتغير لغة الخطاب الاجتماعي لتصبح أكثر رقة وعذوبة، وكيف تزداد وتيرة العمل التطوعي الذي يشارك فيه الصغير والكبير، مما يعزز روح الانتماء للجماعة ويقلل من حدة النزعات الفردية الأنانية. إن هذا المزيج الفريد بين الالتزام الديني والترابط الاجتماعي يجعل من رمضان مدرسة أخلاقية كبرى، لا يتخرج منها المرء إلا وقد تزود بجرعات عالية من الصبر والإيثار، ليخرج إلى بقية شهور العام بقلب أكثر نقاءً وفكر أكثر اتزاناً، مدركاً أن الجوع كان وسيلة لتغذية الروح، وأن الحرمان كان طريقاً لتقدير النعم، وأن الانقطاع عن الدنيا كان جسراً للوصول إلى جوهر الإنسانية الحقيقي الذي يجمع بين طاعة الخالق والإحسان إلى المخلوق






