اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

هيبة المملكة بين فرض الرمزية واحتواء الجراح

هيبة المملكة بين فرض الرمزية واحتواء الجراح

بقلم / عبدالله سالم النهدي
الاثنين 9 فبراير 2026

من باب الحفاظ على هيبة المملكة العربية السعودية وكرامتها السياسية، يصبح من الحكمة تجنب رفع أعلامها أو صور رموزها وقياداتها في الجنوب اليمني في هذه المرحلة الحساسة. فالشارع الجنوبي يعيش حالة احتقان غير مسبوقة، وما تزال آثار القصف الجوي السعودي ماثلة في الذاكرة الشعبية، ودماء ضحاياه لم تجف بعد على رمال حضرموت. وفي ظل هذا المناخ المشحون، لا يمكن لأي قوة — مهما بلغت — أن تمنع الجماهير الغاضبة من امتهان تلك الرموز تحت تأثير الغضب المتراكم والانفجار العاطفي المتوقع.
والإصرار على حضور رمزي استفزازي في بيئة غير مهيأة للتقبل لا يخدم صورة المملكة ولا مصالحها الاستراتيجية، بل قد يضعها في مواجهة مباشرة مع شارع لم يلتئم جرحه بعد. والحقيقة أن من يوجهون المملكة إلى اتخاذ مثل هذه الخطوات هم في جوهرهم أطراف لا تسعى إلى التهدئة أو بناء الثقة، بل إلى تأجيج الصراع بين المملكة والجنوبيين.
وهنا لا بد من التذكير بحقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها: الجنوبيون كانوا، في مراحل مفصلية، خط الدفاع الأول عن المملكة، وسدا منيعًا على حدودها الجنوبية. امتزجت دماؤهم بالتراب السعودي، ووقفوا في خنادق واحدة دفاعا عن أمنها واستقرارها، ولم يكن ذلك بدافع المصلحة الآنية، بل انطلاقا من إدراك عميق لطبيعة الخطر المشترك. وما يزال كثيرون منهم مستعدين للقيام بالدور ذاته، لو عادت دوائر القرار في المملكة إلى رشدها السياسي، وأحسنت التمييز بين الصديق الحقيقي والعدو الفعلي.
المفارقة المؤلمة أن الأطراف ذاتها التي تدفع اليوم باتجاه خطوات رمزية مستفزة في الجنوب، هي نفسها التي كانت — وما زالت — تشير على جماعة الحوثي باستهداف المملكة بالصواريخ والطائرات المسيرة. وهو أمر يصعب تصديق أنه يغيب عن أعين العقول السياسية والعسكرية في الرياض، التي راكمت خبرة طويلة في قراءة المشهد الإقليمي وتعقيداته.
فالحفاظ على مكانة المملكة لا يكون بفرض الرموز في ساحات الغضب، بل باحتواء الجراح، وقراءة المزاج الشعبي، واعتماد الحكمة السياسية التي توازن بين القوة والكرامة. فالدول الكبرى لا تقاس بقدرتها على الظهور الرمزي، والطغيان على العُزّل، بل بقدرتها على إدارة اللحظات الحرجة بأقل الخسائر وأكثر المكاسب الاستراتيجية.
وفي الجنوب، ما تزال الفرصة قائمة لإعادة بناء الثقة، شريطة أن يستمع لصوت العقل، وأن يغلب منطق الدولة على حسابات التحريض، وتدار الرمزية السياسية بحكمة تليق بثقل المملكة ودورها في المنطقة.

إغلاق