ذكريات مع الكتب
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : سالمين سعيد بنقح
6 فبراير 2026
“فلمّا كنتُ في الحادية والعشرين من العمر فتحتُ بابَ المكتبة وأغلقت باب الدّنيا ورائي”
-عبدالله الهدلق
ليس هذا استنساخًا لفكرة كتاب الأديب المصري الكبير عباس محمود العقاد “ساعات بين الكتب” ولا لكتاب الأديب علي حسين “في صحبة الكتب” وإنما هي خواطر جالت في النفس أعادتها لي الذكرى فانبرى هذا القلم لتدوينها بعد انقطاع طويل عن كتابة المقالة.
عادت بي الذاكرة إلى الوراء سنوات خلت كنتُ فيها خلي البال متفرغ من أعباء الحياة لا يشغلني شيء سوى أن أملأ ذلك الفراغ بما يفيد، كنتُ في الصف الثالث المتوسط بمدرسة قباء المتوسطة في الرياض كان ذلك قرابة عام ٢٠١٧م أو ربما ٢٠١٦م كانت تلك المدرسة تحتوي على مكتبة كبيرة تضم بين رفوفها عشرات بل مئات الكتب في مختلف العلوم والفنون وكنت أقضي معظم وقتي فيها في أوقات الفراغ رفقة بعض الأصدقاء الذين كانت لهم بعض ميول أدبية ولكنّ الفارق بيني وبينهم أنني كنتُ في كل مرة أحضر فيها إلى المكتبة اتجه مباشرة إلى الكتب العتيقة التي علاها غبار الزمن لقلة من يقرؤها أو يلتفت إليها وكان ذلك المشهد يثير اهتمام أمين المكتبة أستاذي آلعزيز الذي نسيت اسمه الآن فكان يقول لي بين الحين والآخر: ما الذي يجعلك تتجه دائمًا إلى هذه الكتب القديمة والثقيلة في محتواها؟!
وكنت أجيبه بجوابٍ غير واضح ولا يشفي الغليل: أحب قراءتها فحسب!
لم تكن هذه الإجابة مقنعة له على كل حال لكنها كل ما كان يخطر ببالي في تلك الحقبة وحتى الآن، كنتُ أقضي أوقات فراغي هناك في تلك الزاوية التي تفوح منها رائحة التراب والكتب العتيقة وعندما يداهمني الوقت كنتُ أستعير بعض الكتب لقراءتها في المنزل فقرأتُ في تلك الفترة الكثير من كتب الأدب والسير والتاريخ ولعلي أقف على نموذج من تلك الكتب فعلى سبيل المثال لا الحصر قرأت أجزاء كثيرة من كتاب وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان، وهو كتاب ضخم تجاوز عدد مجلداته السبع مجلدات فيما أذكر كنتُ أعكف كل وقتي على قراءته واستخلاص الفوائد منه وكنت آنذاك أدوّن تلك الفوائد في دفاتر خارجية ما زلت محتفظًا بالكثير منها، كانت تلك المرحلة هي المرحلة الحقيقة للتكوين الثقافي والمعرفي لأنني كما ذكرت كنتُ متفرغًا من أعباء الحياة لا يشغلني شيء عمّا أريد، وكنت كذلك قليل الخروج من المنزل لا أفعل شيئا سوى القراءة والمطالعة والبحث لا لشيء وإنما لإرضاء الطفل الذي بداخلي، الطفل الذي كان ومازال يشعر بالجوع الثقافي يحب الاستكشاف والبحث تكمن لذته الحقيقة في الانكباب على الكتب وتقليب صفحاتها، كنت فيما أذكر أقرأُ يوميًا لمدة سبعٍ أو ثمان ساعات متواصلة لا يقطع جو قراءتي شيء سوى الصلاة والأكل، ومما قرأتُ في تلك المرحلة كذلك كتاب الذهبي الشهير سير أعلام النبلاء وهذا لم أكمله لأنني تخرجت من المدرسة وليتني كنت أستطيع إكماله من يدري لعلي أعيد قراءته مرة أخرى فأستعيد ذلك النشاط الذي كان يملأُ روحي.
إنّ كل كتاب كنت أقرأهُ كان يغير في نفسي أشياء كثيرة يزيد من اتساع نظرتي للأشياء ويشعل في نفسي تلك الروح التوّاقة لا للشهرة وإنما لإحياء هذه القيم العظيمة قيم العلم والثقافة، ولم أكن أقرأ للتفاخر أو التعالي وإنما كنتُ وما زلت أقرأ لأدفع عن نفسي مغبّة الجهل وما زلت أتعجب كيف يعيش من لا يقرأ؟! إنّ القراءة هي التي تشكل ذواتنا وتشكل أرواحنا وتحرك فينا الرغبة لفعل الأشياء على أكمل وجه، وإنّ كل كتاب نقرأهُ ماهو إلا عمر نضيفه إلى عمرنا الواحد.
لقد كانت ومازالت الكتب هي الملاذ الذي أفرُّ إليه من هذا البؤس الذي يداهمني في أحايين كثيرة ولا أجد ما يشبع جوع هذا الطفل الذي بداخلي إلا مطالعة الكتب والتلذذ بقراءتها، أتذكر جيدًا تلك الدموع التي سالت على خديَّ وأنا أقرأُ تلك المقالة التي كتبها المنفلوطي ذات يوم بعنوان “اللقيطة” في كتابه النظرات وما زلت كلما قرأتها يعتادني ذلك الحزن الذي شعرت به عندما قرأتها لأول مرة ولا أظنُّ أحدًا لم يذرف دموعه عندما قرأها لِما فيها من ألمٍ وحزن يُخيّم على كل سطرٍ فيها ويُخيّل إليَّ أنّ المنفلوطي كتبها ليبكي كل من يقرأها!، ولكم حزنتُ لحزن هذا الكاتب الكبير الذي شكّل جزءًا لا يتجزأ من هويتي الثقافية والأدبية فكنت أحفظ أجزاء كثيرة من مقالاته عن ظهر قلب مثل مقالته الرائقة “مناجاة القمر” التي ما رأيتُ القمر مكتملًا إلا ورددت مقاطع منها مستمتعًا بجمال المنظر مستذكرًا هذا الأديب الرائع، ولا أنسى “الكأس الأولى و “الدفين الصغير” والشعرة البيضاء” وما أدراك ما الشعرة البيضاء التي خاطبها قائلًا: “أيتها الشعرة البيضاء ما رأيتُ بيضًا أشبه بالسواد من بياضك، ولا نورًا أقرب إلى الظلمة من نورك، لقد أبغضت من أجلك كل بياضٍ حتى بياض القمر، وكل نورٍ حتى نور البصر!، وأحببتُ فيك كل سوادٍ حتى سواد حتى سواد الغربان، وكل ظلامٍ حتى ظلام الوجدان”.
وما زلت بين الحين والآخر أعاود قراءة رائعته “ماجدولين” والفضيلة والنظرات والعبرات وغير ذلك مما كتب رحمه الله،
وبما أنني هنا أتحدث عن الكتب وساعاتي معها فلا بد أن أذكر طه حسين هذا الكاتب الذي كتبت عنه مرة في بداياتي هذه الجملة التي ما زلت أتذكرها جيدًا: “إنّ أكبر عارٍ على هذه الأمة أن جعلت من يسمى بـ طه حسين عميدًا لأدبها!” ويا لعظمة هذه الكلمة التي قلتها في تلك المرحلة من عمري نتيجة لقلة اطلاعي وجهلي وتعصبي غير المنطقي فلم أكن أنظر للأمور إلا من زاوية ضيقة جدًا ولكن الأمور تغيرت تغيرًا كليًا فبعد أن قرأتُ سيرته الذاتية الجميلة الموسومة “بالأيام” قبل حوالي سبع سنوات تغيرت نظرتي لهذا الرجل كليًا وأصبحت أحاول قراءة أعماله كلها لإطلاق حكم دقيق عليه مع أنه ليس بحاجة إلى حكمي لكنني أحب أن أكون منصفًا على كل حال.
كانت لي مع الأيام أيام جميلة وليالٍ ملؤها الحسرة على حياة هذا الأديب الأريب الذي كانت طفولته قاسية وقد صدق الذي قال أنّ الأيام هي أم السير الذاتية العربية وهي أجمل ما خطه أديب عربي في فن السيرة الذاتية ومن قرأها وتعمق فيها سيعرف لماذا هي كذلك، فإنّ طه حسين تجلى فيها وبلغ من الإبداع ما لم يبلغه أحد من قبل ولا عجب في ذلك فقد خرجت تلك الأسطر من قلب صادق فاستقرت في قلوب قراء هذا العَلم الكبير، ولكم بكينا معه وهو يسرد لنا ذكريات طفولته وحزنه، فقد كان يصور الأحداث بأسلوبٍ لا يحسنه أحد سواه ولولا ذلك لما حظيت أيامه هذه بكل هذا الاهتمام وهي جديرة به.
وبالنسبة لي فإنّ قراءة السيرة الذاتية للكتّاب والمفكرين تهمني كثيرًا لأنني استسقي منها معارفهم وتجاربهم وأفكارهم والصعاب التي واجهتهم والأخطار التي خاضوا غمارها ولطه حسين مذكرات طبعت مؤخرًا تحت عنوان “مذكرات طه حسين” وهي من منشورات دار الربيع بمصر ولم أوفق في الحصول عليها بعد.
ومما يدل على تأثر الأدباء بسيرة طه حسين “الأيام” أنّ الروائي الكبير الحائز على جائزة نوبل في الأدب نجيب محفوظ كتب كتابًا على غِرار الأيام أسماه: “الأعوام” ولكنه سرعان ما أتلفه ولم ينشره، وهذا يدل على مكانة هذا الكاتب وهذه السيرة العظيمة التي كانت علامة فارقة في تاريخ أدبنا العربي.
ولعل من أمتع السير التي مرّت بي هي سيرة العقاد الجميلة “أنا” وهي من الجمال بمكان والعقاد لا يخفى على أحد علو كعبه في البيان ولو لم يؤلف سوى “العبقريات” لكفاه ذلك أبد الدهر، ومن السير الماتعة أيضًا سيرة الأديب الدكتور عمر فروّخ والتي عنونها باسم: “غبار السنين” وهي سيرة مختلفة عن بقية السير الذاتية فقد ضمت جوانب اجتماعية وتأريخية وأدبية وتربويّة وتوثيقية ولعلي هنا أذكر شهادة أوردها الأديب فروخ في سيرته هذه قلما يلتفت إليها أحد وهي أنه خرج ذات يوم للسوق في برلين في عهد الزعيم النازي هتلر فبلغ به العطش مبلغًا كبيرًا فأراد أن يتبلغ بشربة من عصير البرتقال فلم يجد ما يريد عند الباعة فكان ذلك مدعاة لاستغرابه فسأل أحدهم هل انقطع البرتقال فجأةً من الأسواق؟
فأجابه الرجل: كلا ولكن اليوم هو يوم ميلاد هتلر وهتلر لا يشرب الخمر وبالتالي قام بشراء كل البرتقال وأمر بتوزيعه مجانًا على الناس!.
وفي هذا الموقف الذي ذكرته بتصرف شهادة تظهر جانبًا من جوانب شخصية هتلر اتفقنا أو اختلفنا معه فليس هذا مجال الحديث عن شخصيته، وضمت هذه السيرة مواقف كثيرة مختلفة وأعترف أنني مازلت أعاود قراءة بعض صفحاتها بين الحين والآخر.
ومما عَلق بذهني من بداياتي في القراءة السيرة الذاتية للكاتب المغربي محمد شكري والتي كانت بعنوان: “الخبز الحافي” مع ما فيها من جرأة في الطرح والأسلوب لكنها سيرة جميلة كتبت بأسلوب روائي بديع ولعل كاتبها استعمل أسلوب الاعتراف الذي عند بعض الكتّاب الغربيين ولكن كل هذه الأشياء لا تنفي عنها أنها سيرة من أمتع السير الذاتية لا سيما إذا قُرأت من منظور أدبي بعيد عن كل النظرات الأيدولوجية.
المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع






