اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الأقاليم ليست الحل ما دام الفساد هو الدولة

الأقاليم ليست الحل ما دام الفساد هو الدولة

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
6 فبراير 2026

في كل مرحلة سياسية جديدة تُرفع شعارات جديدة، وتُعاد صياغة نفس الوعود القديمة بأسماء مختلفة. اليوم تُقدَّم “الأقاليم” بوصفها الحل المنشود، وكأن تغيير شكل الخريطة كفيلٌ وحده بإنهاء الفقر والفساد وتوزيع الثروة بعدل. لكن هذه الرؤية تتجاهل جوهر الأزمة، وتُسطّح المشكلة بدل أن تواجهها.

إن النقاش الحقيقي ليس حول عدد الأقاليم أو حدودها، بل حول طبيعة السلطة التي تتحكم بالثروة والقرار. ما فائدة أي تقسيم إداري — إقليمًا كان أو محافظة — إذا ظل المال والنفط والموانئ والعلاقات الخارجية والأمن بيد مركز مُختطَف من شبكات فساد مترابطة؟

الحقيقة الصارخة أن المشكلة ليست في شكل الدولة، بل في من يديرها.
يمكن إعادة رسم الحدود عشر مرات، ويمكن استحداث أقاليم جديدة أو دمج قديمة، لكن ما دام الفساد متجذرًا في مفاصل الحكم، فإن المواطن البسيط لن يرى أثرًا حقيقيًا لأي تغيير.

بل إن الواقع يقول بوضوح:
لو امتلكت البلاد ميزانية الولايات المتحدة وأوروبا مجتمعتين، فلن ينعكس ذلك على حياة الناس ما دامت السلطة تُدار بعقلية النهب والغنيمة. فالمال لن يذهب إلى التعليم والصحة والخدمات، بل إلى جيوب المتنفذين، وصفقات المشبوهين، ودوائر المحسوبية، وشبكات الولاء.

انظروا إلى الثروات الطبيعية في المناطق الغنية بالنفط والغاز. تُستخرج الثروة من الأرض، لكن عائداتها تُحوَّل إلى خزينة مركزية تُدار بلا شفافية، فيما تبقى المناطق المنتِجة من أفقر المناطق في البلاد. هذا ليس خللًا إداريًا بسيطًا، بل نهبٌ مُقنّنٌ باسم “السيادة المالية”.

هنا يتضح الوهم الكبير: الحديث عن الأقاليم بينما تُترك الثروة والقرار في يد المركز ليس حلًا، بل تكريسًا لمعادلة ظالمة — إدارة محلية محدودة مقابل احتكار مركزي شامل.

حتى الدعوات إلى تعديل الدستور أو “استنساخ” نماذج خارجية لا تغيّر جوهر المشكلة. فالدساتير لا تُنهي الفساد بذاتها؛ ما يصنع الفرق هو الإرادة السياسية، والشفافية، والمؤسسات الرقابية المستقلة، وسيادة القانون. من دون هذه الأسس، سيبقى أي نص دستوري حبرًا على ورق.

القضية إذن ليست في مسمّى “الإقليم”، بل في ثلاثة ملفات جوهرية لا يمكن القفز عليها:

  1. تفكيك منظومة الفساد المركزية التي تختطف الثروة والقرار.
  2. إعادة توزيع عادلة للثروة وفق مبدأ أن خيرات الأرض يجب أن تنعكس أولًا على أهلها.
  3. بناء مؤسسات شفافة تخضع للمساءلة لا للمحاصصة والولاءات.

من دون هذه الركائز، ستظل كل مشاريع الأقاليم مجرد إعادة ترتيب للكراسي على سطح سفينة تتسرّب إليها المياه.

الخلاصة الواضحة:
الأقاليم ليست الحل إذا بقي الفساد هو الدولة.
والتنمية لن تتحقق بالخرائط وحدها، بل بالعدالة والشفافية واستعادة الثروة لأهلها.

إلى أن يتحقق ذلك، سيظل المواطن ينتظر حقه المهدور، مهما تغيّرت المسميات والعناوين.

إغلاق