اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

استراتيجية السعودية تجاه اليمن بين الثابت والمتغير

استراتيجية السعودية تجاه اليمن بين الثابت والمتغير

بقلم / أ. غانم بحاح
الخميس 5 فبراير 2026

لم يكن اليمن يومًا في الحسابات الاستراتيجية لـ المملكة العربية السعودية مجرد دولة مجاورة، بل ظل يُنظر إليه بوصفهِ الخاصرة الجنوبية ذات الحساسية الجيوسياسية العالية؛ فطول الحدود، وتشابك البنية الاجتماعية، والتداخل القبلي والاقتصادي، جعلت من اليمن ملفًا أمنيًا–سياسيًا بامتياز، لا يمكن فصله عن مفهوم الأمن القومي السعودي.
ومن هذا المنطلق، لم تتعامل الرياض مع اليمن كساحة نفوذ تقليدية، بل كبيئة يجب ضبط توازناتها ومنع انزلاقها إلى مسارات غير قابلة للاحتواء، حتى وإن استدعى ذلك التدخل المباشر، هذا الإدراك يفسّر ثبات الوجهة الاستراتيجية السعودية تجاه اليمن، رغم تغيّر الأدوات تبعًا لتحولات الحالة اليمنية والإقليمية.
الثابت في السياسة السعودية تجاه اليمن عاملان حاكمان:
أحدهما: وجوب تحييد الجغرافيا اليمنية من أن تكون مصدر تهديد أمني مباشر:
بالتأكيد لا تنطلق السعودية في مقاربتها لليمن من افتراض العداء، فلطالما عرفت السعودية في السياسية اليمنية بالشقيقة الكبرى؛ لكن المقصود بتحييد الجغرافيا اليمنية هو منع تشكّل ظروف أمنية أو سياسية تجعل من اليمن ساحة تهديد، سواء عبر الفوضى الداخلية وانهيار المركز، أو صعود قوى سياسية أيديولوجية مناوئة الى سدة الحكم، أو تحوّل البلاد إلى منصة نفوذ لقوى إقليمية منافسة.
هذا الثابت يفسّر تسلسل السلوك السعودي منذ عام 2011: من التدخل الدبلوماسي الصارم لمنع انهيار الدولة وسقوطها في يد قوى سياسية قد لاتتفق وسياسة الرياض في المنطقة، إلى رعاية المبادرة الخليجية، مروراً بالتدخل المباشر فيما يعرف بعاصمة الحزم وتحالف دعم الشرعية، وأخيراً تدخلها الحاسم في الأحداث السياسية الأخيرة وموقفها الصارم من سياسة أبوظبي في المنطقة، لم تكن هذه التدخلات عفوية وبالطبع لا تعبر عن نزعة توسعية، بقدر ما كانت محاولة لإعادة ضبط المجال الأمني في بيئة مجاورة عالية الهشاشة.
وثانيهما: هو وجوب تحييد السياسة اليمنية عن الدوران في فلك إقليمي مناوئ للرياض:
تنظر السعودية إلى اليمن بوصفه جزءًا من مجالها الحيوي أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا، وترفض أن يتحوّل قراره السياسي إلى موقع مناوئ أو خارج نطاق توازنها الإقليمي؛ ومن هنا، لا تشترط الرياض يمنًا تابعًا، بقدر ما تسعى إلى يمن لا يصطف ضمن محاور معادية، ولا يتحوّل إلى قاعدة جيوسياسية منافسة، أو يُدار من خارج الفضاء العربي الذي تمثل السعودية إحدى ركائزه الأساسية. ويُفسّر هذا الثابت حساسية السعودية تجاه أي اختراق إقليمي للمشهد اليمني، ويكشف أن جوهر الإشكال ليس في هوية من يحكم اليمن، بقدر ما هو في اتجاه تموضعه الجيوسياسي.

تغير أدوات وآليات السياسية السعودية:
رغم ثبات المحددات الاستراتيجية، شهد السلوك السعودي تجاه اليمن تحولات واضحة في الأدوات والآليات، وتنوّعت مقارباته تبعًا لتعدد الجهات المشرفة على الملف اليمني في الرياض، واستجابةً لتطورات الوضع السياسي داخل اليمن. فقد تنوّعت السياسة السعودية تجاه اليمن، بدءًا من الدعم المادي لبعض القوى السياسية والاجتماعية، مرورًا بالتدخل الدبلوماسي المكثف، وصولًا إلى الحسم العسكري المباشر، في محاولة دائمة لإعادة ضبط المشهد بما يخدم الأهداف الاستراتيجية المعلنة.
ومع ذلك، ورغم محاولات الرياض لتنويع ادواتها وتكييف سياساتها بما يتلاءم مع تعقيدات الحالة اليمنية، يكشف الواقع أن السعودية لم تنجح حتى الآن في السيطرة الكاملة على المشهد اليمني، ولا في ضبط إيقاعاته المتسارعة، ولا في التكيّف السريع مع تحوّلاته الداخلية. ويعود ذلك، في جزء مهم منه، إلى طبيعة الأزمة اليمنية نفسها، بوصفها أزمة مركّبة تتجاوز منطق إدارة النفوذ التقليدي.
وفي المقابل، يسلّط هذا الواقع الضوء على قيود فاعلية السياسات التنفيذية للاستراتيجية السعودية؛ فبرغم الخبرة الطويلة للرياض في إدارة الملف اليمني، والإمكانات السياسية والاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها، ظلّ المشهد اليمني عصيًّا على الإدارة الشاملة، فضلًا عن التحكم الكامل بمساراته.
ومع تعقّد الأزمة اليمنية، وتحولها إلى مصدر تهديد حقيقي لمحيطها الإقليمي، وفي ظل حاجة اليمنيين أنفسهم إلى شريك إقليمي جاد، تبقى الساحة مفتوحة أمام الرياض والقوى الوطنية اليمنية لإعادة قراءة المشهد، وتقييم الأدوات والسياسات التقليدية التي أثبتت فشلها، والانطلاق من المشترك السياسي والأمني والتاريخي، تمهيدًا لإعادة إنتاج دولة يمنية وطنية جامعة، تحقق تطلعات اليمنيين، وتسهم في استقرار محيطها.

إغلاق