اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

إبستمولوجيا الشِّباك: جدلية الأداتية والماهية في العقل الأكاديمي المعاصر

إبستمولوجيا الشِّباك: جدلية الأداتية والماهية في العقل الأكاديمي المعاصر

تاربة_اليوم / كتابات واراء

بقلم: الدكتور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

الخميس5 فبراير
2026م

لم يعد السؤال المركزي في المعرفة المعاصرة: ماذا نعرف؟ بل أصبح: كيف نعرف ما نعرف؟ وهنا يتبدى التحول العميق الذي أصاب العقل الأكاديمي الحديث: انتقاله من البحث في ماهية الأشياء إلى الانشغال ببناء أدوات قياسها. إن المشروع العلمي الحديث قام على افتراض ضمني مفاده أن الواقع قابل للاختزال إلى معطيات قابلة للرصد، وأن الحقيقة يمكن الإمساك بها عبر تحسين أدوات الملاحظة والتحليل. غير أن هذا الافتراض – على الرغم من نجاحاته التقنية الباهرة – أفرز مفارقة إبستمولوجية حادة: كلما ازدادت أدواتنا دقة، ازداد الواقع مراوغة. لقد نجحنا في بناء (شباك) معرفية ذات صرامة غير مسبوقة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح فلسفي هو: هل هذه الشباك تلتقط البحر، أم تلتقط فقط ما تسمح بنيتها بالتقاطه؟
شهدت الحداثة العلمية انتقالاً حاسمًا من الميتافيزيقا إلى المنهج، فالحقيقة لم تعد تُقاس بمدى انكشافها للوعي، بل بمدى قابليتها للاختبار والتكرار والتحقق التجريبي. وهنا تأسست هيمنة ما يمكن تسميته بالأداتية المعرفية (Instrumental Epistemology). في هذا السياق، أصبحت الأداة ليست مجرد وسيط بين الذات والموضوع، بل محددًا لما يُعترف به كموضوع أصلًا؛ فما لا يُقاس لا يُعترف به، وما لا يُختبر لا يُعتبر معرفة. غير أن هذه النقلة، رغم ضرورتها التاريخية، أفرزت انزياحًا خطيرًا تمثل في تحول المنهجية من وسيلة إلى معيار وجودي للحقيقة. وهنا تكمن (الوثنية المنهجية)، حيث يُختزل الوجود في قابليته للإحصاء، وتُختزل الحقيقة في قابليتها للقياس. إن صرامة الشباك لا تعني بالضرورة فهم البحر، بل قد تعني فقط إحكام تعريفه ضمن حدود صناعتها.
إن تقسيم المعرفة إلى تخصصات دقيقة مكن البشرية من تحقيق قفزات هائلة في مجالات الفيزياء والطب والاقتصاد والتقنية، غير أن هذا التخصص نفسه أنتج ظاهرة إبستمولوجية مقلقة تمثلت في تفتيت الكل إلى جزئيات معزولة. فعالم الأعصاب يدرس التفاعلات الكهروكيميائية، لكنه لا يجيب عن سؤال الوعي. والاقتصادي يبني نماذج رياضية معقدة، لكنه يعجز عن تفسير القلق الوجودي الذي ينتج عن انهيار السوق. وعالم الاجتماع يحلل أنماط السلوك، لكنه قد يتجاهل المعنى الذي يمنحه الفاعلون لأفعالهم. لقد أصبحنا نملك معرفة دقيقة بالأمواج، لكننا فقدنا الحس بالماء. وهذا ليس جهلًا عرضيًا، بل عمى بنيوي تفرضه بنية النظام المعرفي نفسه؛ حيث يُكافأ الباحث على التعمق في الجزئي، ويُعاقب ضمنيًا على مغامرة السؤال الكلي.
المشكلة ليست في المنهج ذاته، بل في تحوله إلى نموذج حصري. حين يصبح النموذج الإحصائي هو الأفق النهائي للفهم، أو حين يُختزل التفسير في السببية الخطية، فإننا نكون أمام انغلاق برادايمي (Paradigmatic Closure). لقد علمنا تاريخ العلم – من تحولات الفيزياء الكلاسيكية إلى النسبية وميكانيكا الكم – أن كل نموذج يحمل في داخله شروط أزمته؛ فالنموذج لا ينهار لأنه فشل في تفسير كل شيء، بل لأنه ظن أنه يفسر كل شيء. إن الإيمان الضمني بكفاية الأداة يولد ثقة زائدة في قدرة المنهج، وهذه الثقة قد تتحول إلى عمى عن حدوده.
إن النقد هنا لا يدعو إلى تقويض العلم، بل إلى تعميقه؛ فالعلم الذي لا يعترف بحدوده يتحول إلى أيديولوجيا. ما نحتاجه ليس إلغاء الشباك، بل وعي بأنها اقتطاع من بحر لا يُختزل. إن المنهج يجب أن يُمارس بوصفه أفقًا مفتوحًا، لا قفصًا مغلقًا. وهنا يبرز مفهوم يمكن تسميته بإبستمولوجيا الاعتراف بالحد؛ أي أن يدرك الباحث أن كل قياس هو تبسيط، وكل نموذج هو تقريب، وكل تفسير هو احتمال مشروط. هذا الوعي لا يضعف العلم، بل يمنحه تواضعًا منهجيًا يحصنه من التحول إلى دوغمائية.
إن تجاوز هذا المأزق يتطلب إعادة وصل ما انفصل: وصل الصرامة التقنية بالحس الفلسفي، ووصل التحليل الكمي بالبصيرة التأويلية، ووصل العلم بالمعنى. ليس المقصود إنشاء خطاب توفيقي سطحي، بل تأسيس برادايم تداخلي يعترف بأن الحقيقة متعددة الطبقات: طبقة قابلة للقياس، وطبقة قابلة للفهم، وطبقة قابلة للتأمل. حين يدرك الباحث أن موضوعه ليس مجرد معطى إحصائي بل ظاهرة وجودية، يصبح العلم ممارسة تأملية بقدر ما هو ممارسة تقنية.
تكمن المأساة المعرفية للعصر الحديث في اتساع الفجوة بين التقنية والحكمة. نحن نمتلك أدوات قادرة على تفكيك الذرة، وتحليل الجينوم، ومحاكاة المناخ، والتنبؤ بالسلوك الانتخابي؛ لكننا لا نزال نتعثر في سؤال المعنى، وفي فهم الإنسان بوصفه كينونة لا تختزل في بيانات. إن استعادة التوازن لا تعني العودة إلى الميتافيزيقا الكلاسيكية، بل تعني إعادة إدماج السؤال الفلسفي داخل المشروع العلمي نفسه. فالحقيقة ليست شيئًا يُصاد بالكامل، بل أفق يُقترب منه. والبحر لا يُحتوى، بل يُبحر فيه. وحين يدرك الأكاديمي أن شباكه ليست البحر، بل مجرد أداة للإبحار فيه، عندها فقط يتحول العلم من ممارسة للسيطرة إلى ممارسة للفهم.
ربي زدني علمًا، وارزقني فهمًا، والحقني بالصالحين.
ملاحظة: يمثل هذا المقال خلاصة مكثفة وموثوقة لدراستنا العلمية المحكمة.

إغلاق