اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

النصف من شعبان: الاحتفالات الدينية بين القواسم والمفارقات

النصف من شعبان: الاحتفالات الدينية بين القواسم والمفارقات

بقلم / أحمد عبدالقادر عمر بن الشيخ أبو بكر
الخميس 5 فبراير 2026

يحتلّ النصف من شعبان مكانة خاصة في الوجدان الإسلامي، إذ ارتبط في الوعي العام بفضائل روحية وأجواء إيمانية، وتنوّعت حوله أنماط الإحياء والاحتفال بين المجتمعات الإسلامية، ما بين ممارسات محل اتفاق وأخرى محل خلاف، وبين مقاصد سامية ومظاهر شابتها مفارقات لافتة تستدعي التأمل.

أولًا: القواسم المشتركة

على اختلاف البيئات والمذاهب، تبرز قواسم عامة يجتمع عليها المسلمون في هذه الليلة، من أبرزها:

– البعد الروحي: الإقبال على الدعاء، والاستغفار، وطلب الرحمة والمغفرة، وتجديد الصلة بالله تعالى.

– إحياء القيم: تعزيز معاني التوبة، والتسامح، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الناس.

– الاجتماع الإيماني: حضور المساجد أو المجالس الدينية، وقراءة القرآن، والذكر، بما يعكس حاجة جماعية للسكينة والطمأنينة.


وتعبّر هذه القواسم عن مقصد جامع، يتمثل في تحويل المناسبة إلى محطة لمراجعة النفس، لا مجرد طقس موسمي عابر.

ثانيًا: المفارقات القائمة

في مقابل هذه المعاني الإيجابية، تبرز مفارقات تستدعي النقد الهادئ والمسؤول، من أبرزها:

– تحويل العبادة إلى مظاهر شكلية: حين تطغى الاحتفالات على الجوهر، فيُقاس “إحياء الليلة” بالمظاهر والزينة والتجمعات، لا بالأثر السلوكي.

– الجدل الفقهي المتشنّج: إذ يتحول الخلاف حول مشروعية بعض الممارسات إلى صراع أو تبديع، بدل أن يبقى في إطاره العلمي الذي يراعي سعة الخلاف.

– تناقض السلوك: إحياء الليلة بالدعاء والذكر، مع استمرار مظاهر الظلم أو القطيعة أو الاعتداء على الحقوق في الواقع اليومي.

– الخلط بين العادة والعبادة: إدخال عادات اجتماعية لا صلة لها بالمقصد التعبدي، ثم إضفاء قداسة عليها بمرور الزمن.

ثالثًا: بين الإحياء الرشيد والتوظيف الخاطئ

الإشكال لا يكمن في أصل الذكر أو الدعاء، بل في كيفية الإحياء والنتائج المتحققة. فالإحياء الرشيد هو الذي:

– يلتزم بالأصول الشرعية، ويترك ما ثبت الخلاف فيه.

– يقدّم المقاصد على المظاهر.

– يُثمر أثرًا أخلاقيًا واجتماعيًا ملموسًا بعد انقضاء المناسبة.


أما التوظيف الخاطئ، فيحوّل المناسبة إلى مساحة استعراض أو صراع، ويُفرغها من بعدها التربوي والروحي.

ختامًا: يبقى النصف من شعبان فرصة جامعة لاختبار صدق التدين:
هل هو موسم عابر أم سلوك دائم؟
فإن أُحسنَت قراءة القواسم، وتجاوزت المجتمعات مفارقاتها، غدت المناسبة جسرًا للإصلاح الذاتي والاجتماعي.
أما إذا ظللنا أسرى الشكل والجدل، فإن الروح تضيع ويبقى الاسم فقط.

فالإحياء الحقيقي لا يُقاس بما يُقام في ليلة، بل بما يستمر أثره في الأيام التالية.

إغلاق