مديح الإقصاء ومنطق الصفر: تفكيك البنية الثقافية للثناء العدائي في الوعي العربي تاربة — اليوم/كتابات واراء
بقلم: الدكتور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
31 يناير 2026م
ثمة ظاهرة خطابية متكررة في الفضاء العربي يمكن وصفها ـ من منظور علم الاجتماع الثقافي ـ بمدح الإقصاء؛ حيث لا يكتمل الثناء على فرد أو جماعة إلا عبر الانتقاص من سائر الأطراف، وكأن قيمة الممدوح لا تثبت إلا بهدم غيره.
هذه الآلية ليست مجرد أسلوب بلاغي عابر، بل تعكس بنية ذهنية تنافسية تقوم على منطق الصفر، حيث يُفهم التفوق بوصفه نفيًا للآخر لا إضافة إلى المجال العام. وفي هذا السياق يتحول الثناء من كونه اعترافًا موضوعيًا بالكفاءة إلى أداة استقطاب تُعيد إنتاج الانقسام الرمزي داخل المجتمع.
من الناحية التحليلية، يمكن تفسير الظاهرة عبر ثلاثة مستويات:
1. المستوى النفسي: ضعف الثقة بالذات الجمعية يدفع إلى تعظيم (نموذج فردي) بوصفه تعويضًا رمزيًا، مع الحاجة إلى خلق نقيضٍ متدنٍ لتأكيد التميز.
2. المستوى الثقافي: ترسخ خطاب المفاضلة الثنائية في التراث السياسي والاجتماعي، حيث يُبنى المجد على المقارنة الحادة لا على التراكم المشترك.
3. المستوى السياسي والإعلامي: هيمنة خطاب الاستقطاب الذي يغذي الانقسام ويحول الثناء إلى أداة تعبئة لا إلى معيار موضوعي للتقييم.
والنتيجة أن المدح يفقد طابعه الأخلاقي والمعرفي، ويتحول إلى ممارسة إقصائية تُضعف ثقافة الاعتراف المتبادل، وتُقوض إمكان بناء فضاء عام صحي يقوم على تعددية الفضل وتنوع الإسهام.
إن المجتمعات الناضجة لا تحتاج إلى تحطيم الآخرين لإبراز المتميزين؛ فالقيمة الحقيقية لا تقوم على نفي غيرها، بل على الإضافة النوعية إلى الرصيد المشترك. والثناء الرصين هو الذي يحدد معايير التفوق بدقة، ويقر بتعدد مصادر الإنجاز، ويُرسخ ثقافة التكامل لا ثقافة الإلغاء.
بكلمة جامعة، يمكن القول: رفع طرف على حساب إسقاط الجميع ليس مدحًا، بل تعبير عن فقر في الوعي الجمعي. أما الاعتراف المتوازن فهو علامة نضج فكري وحضاري.
مع خالص الود والتقدير للجميع.






